لا صوت يعلو ..!

تم نشره في الثلاثاء 9 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

لا اعتقد أن رئيس وزراء كوريا الجنوبية هانغ سونغ سو اقتنع بالمبررات التي ساقها ضيفه رئيس مجلس النواب الأردني عبدالهادي المجالي حول الإصلاح والتعلل بأن تقلبات الأحوال وصخب الجغرافيا في منطقتنا سبب في إعاقة برامج الاصلاح في بلادنا، " وان وجود الأردن وسط منطقة مضطربة انعكس بشكل سلبي على برامجه الاصلاحية".

كوريا الجنوبية تحديدا، لا يصلح ان يقال امامها هذا الكلام، فمنذ 58 عاما وتلك البلاد منخرطة في عداء متبادل مع جارتها كوريا الشمالية، علت خلالها في خمسينيات القرن الماضي أصوات الرفض لاختراق الحدود البحرية الغربية لكوريا الجنوبية ولترسيم الامم المتحدة حدودا ليست عادلة لطرفي الصراع، فيما امتدت جذوة الصراع وتطايرت نذره وتداعياته الى مطلع الألفية الجديدة.

لن أخوض في تاريخ الازمة بين الكوريتين فهو تاريخ معقد وشائك وفيه من الطحن والقتل والمشاهد السوداء الكثير مما لم يرو بعد، غير ان استعراض هذا التاريخ يدحض الرواية الاردنية – كما جاءت في مقولة المجالي امام مضيفيه الكوريين – ويفتح نافذة ذات اطلالة واسعة على الانجاز والتميز وتحقيق الاصلاح الاقتصادي والسياسي على نحو جاد لا هوادة فيه او تلكؤ.

رغم التاريخ الحزين، فإن كوريا الجنوبية حققت قفزات اقتصادية مذهلة وغير مسبوقة في التاريخ المعاصر واساس هذه القفزات تنفيذ اصلاحات وخطط واضحة الملامح والابعاد آخذة في الحسبان الازمة مع كوريا الشمالية والمحيط الاسيوي.

أظن أن المجالي والوفد البرلماني الذي يزور سيئول قد استمع الى ان ارتفاع دخل المواطن الكوري الجنوبي الى مستوى 10 آلاف دولار استغرق 33 عاما فقط، بينما استغرق الوصول الى مستوى العشرة آلاف دولار لدول متقدمة اكثر من ذلك بكثير، ففي بريطانيا استغرق 233 عاما وفي اميركا 128 عاما وفي اليابان 114 عاما، ولعل الوفد الاردني استمع ايضا الى خطوات وانجازات التجربة الكورية والخطة الموضوعة للعام 2030 والتي تستهدف رفاه المواطن الكوري بالدرجة الاولى وتحقيق مراتب عليا ومنافسة في الاقتصاد العالمي.

مؤكد ان الوفد الاردني حظي بجولة في مصانع " دايو" ورأى حجم القدرات الصناعية لثالث اكبر صانع سفن في العالم كما شاهد الانواع والتصاميم الجديدة للسيارات التي ستحافظ على حضورها في الطرقات لدينا في المستقبل كما هي الان من خلال زيارة "هونداي" والاطلاع ايضا على التجربة الكورية في الطاقة النووية، واظن ان الوفد قد علم بأن كوريا الجنوبية تحتفظ باحتياطي من العملات الاجنبية يقارب ربع تريليون دولار، وبأن توجهات الحكومة في مسلسل خفض الضرائب هناك بدأت ولم تنته، وان السياسات النقدية والمالية كلها تصب في مصلحة المواطن وان الخطط ترسم لصالح المواطن اولا ومن ثم الاقتصاد بدرجة لاحقة، وان المسؤولين في القطاعين العام والخاص يتسابقون على تقديم الابتكارات والافكار الخلاقة للاقتصاد ويحصلون على تقدير الشعب والحزب الحاكم تبعا لقدراتهم العقلية لا لفسادهم.

مبررات تعطل الاصلاح التي ساقها المجالي لا تقنع الشعب الاردني ايضا كما سبق، ولا تقنع الاسرائيليين الذين يخوضون حربا ظالمة ضد الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة لكنهم يحاسبون ويلاحقون في ذات الوقت قادة الجيش او رئيس وزرائهم او أي مسؤول ويسعون لمأسسة اصلاحات دائمة للاقتصاد والسياسة تعود على الاسرائيليين بالنفع، وليس آخر تلك الادوات التي تؤشر على حيوية نظام المكاشفة والمحاسبة تتبع رئيس الوزراء ايهود اولمرت على فساد في سنوات سبق وجوده في رئاسة الوزراء.

استمرار الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين وظهور احتلال اميركي في العراق لم يمنعا من زيادة اهتمام اسرائيل بالبحث العلمي في مؤسساتها، كما ان هذين الاحتلالين لم يمنعا رئيس الوزراء السابق علي ابو الراغب من تمرير مئات القوانين المؤقتة التي ضربت وعطلت الاصلاح الاقتصادي والسياسي وماتزال في بلادنا، ودرجت على هذا التمرير حكومات لاحقة وبرلمانات ضعيفة غالبية اعضائها من المؤيدين دوما للرؤية الرسمية حتى وان كانت تجافي الحق والحقيقة.

أعتقد ان لا علاقة  للاحتلالين الاسرائيلي والاميركي بنتائج الانتخابات البلدية او النيابية الاخيرة والتي نعاني منها الان، كما ان الاحتلالين لا يأبهان اذا ما تحققت إرادة اردنية لملاحقة الفساد في المملكة ومعاقبة التجار الذين يحتكرون ويغشون ويتلاعبون بمصائر العائلات واستقرار الاطفال، وأذهب في الاعتقاد الى ما هو ابعد من ذلك، في ان الاستثمارات والاقتصادات الجديدة تلتفت الى مناطق التوتر والنزاع بوصفها جغرافيا للافادة لا الفرجة، حتى ان ادارة المخاطر في الشركات العملاقة تنزع الى ضرورة الاستفادة من التوتر المتفاقم في هذا الاقليم او ذاك .

الأزمة ليست في الاحتلالين او في نظرية المؤامرة التي تغلف عقولنا، انها ازمة نخب، وليس لدى كثير من المنتسبين اليها كفاءة تذكر، وهي النخب التي لم تحاسب في السابق ويبدو انها لن تحاسب في المدى المنظور، وتبقى تطل علينا من وقت لآخر متعللة بالمقولة البائسة " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " .. ولكنني اتساءل أين هي تلك المعركة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اسمع جعجعة ولا ارى طحنا! (منى)

    الثلاثاء 9 أيلول / سبتمبر 2008.
    سلمت لنا استاذ حسن، وهذا ليس بغريب عليك، فقلمك دائما ينبض بهمومناالتي ما تنفك تتسع،
    لا نجد دائما الا الاعذار الواهية او المبررات التي لا تعتمد المنطق والحجة، ربما لأن كل مسؤول يستسهل هذا المنحى بدل البحث والتطوير
    وعلى فكرة هناك نخب من المبدعين يستطيعون التطوير والانجاز لكن لم تعط لهم الفرصة او ربما يستثنون لاسباب مجهولة....ويبقى القرار في ايدي غير النخب لينفقوا دون تحقيق فائدة مرجوة
    اظن انه لا صوت يعلو فوق صوت المنصب وما يحققه على حساب مخصصات الشعب والانجازات الوطنية التي يجب انجازها !!!
  • »مبدع (علي حسن)

    الثلاثاء 9 أيلول / سبتمبر 2008.
    عرض رائع من كاتب عودنا على الابداع .