التدخل الإيراني في العراق.. الأمني والسياسي

تم نشره في السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

بعد أربع سنوات قاسية على تدخلها المباشر في الشأن الأمني العراقي، شرعت إيران، في الآونة الأخيرة، بتدخل فاعل وواسع وأكثر مباشرة في العملية السياسية العراقية. يشار الى أن طهران التي ترى في العراق جزءاً أساسياً من أمنها الاستراتيجي، وساحة رئيسة لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة، ظلت في السنوات الأربع الماضية، ترى أن استراتيجيتها العراقية تتطلب زعزعة الحالة الأمنية للعراق ومدّ الميليشيات والمجموعات المناوئة للأميركيين في العراق بالاسلحة والعتاد الحربي، إضافة الى توفير معسكرات تدريبية خاصة داخل أراضيها لأفراد تلك المجموعات.

غير أن الحالة خلال العام الفائت تغيرت بشكل حاد. والتدخل الأمني وحده لم يعد كافياً لتلبية مقتضيات المصلحة الإيرانية في العراق. فالحالة الأمنية استتبت في مناطق عدة، خصوصاً في العاصمة بغداد. كما أن الاستراتيجية الأميركية الخاصة بزيادة عديد القوات لقيت نجاحاً ملموساً. كما أن الجيش الأميركي أدخل أنواعاً متطورة وحديثة من التكنولوجيا الحربية والأمنية لمواجهة المجموعات المسلحة. هذا إضاقة الى نجاحه في بناء جسور للتعاون مع المكوّن السنّي العراقي المعروف بخلافاته مع العملية السياسية في بغداد. والأهم، أن واشنطن نجحت في ترتيب شروط تؤهل الطرفين العراقي والأميركي لتوقيع اتفاقية أمنية استراتيجية مشتركة تمهد لاستعادة العراق كامل سيادته نهاية العام الجاري.

لكل هذه الأسباب، أدركت طهران أن الاقتصار على اسلوب التدخل الأمني والاستخباراتي عن طريق فيلق القدس والأجهزة السرية لم يعد يفي بالغرض لتحقيق استراتيجيتها في العراق. إنما الحالة اصبحت تقتضي منها اللجوء الى تدخلات سياسية أكثر مباشرة ووضوحاً وتأثيراً، خصوصاً في كل ما يتعلق بمسار القرارات السياسية الاستراتيجية.

في هذا الإطار، يمكن للمراقب أن يشير الى جملة مظاهر سياسية: الأولى، أن إيران بدأت تلعب دوراً أكثر فاعلية في دفع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى بذل محاولات مؤداها عرقلة التوقيع على الإتفاقية الأمنية مع واشنطن، أو على الأقل تأجيل البتّ في نقاطها الرئيسة وتأخير التوقيع عليها الى العام المقبل. فإيران التي تتخوف من تشددية السياسة لدى الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وتعارض أي تعاون عسكري وأمني استراتيجي بين واشنطن وبغداد، تعتقد أن نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة قد تفضي الى خروج الجمهوريين من البيت الأبيض ووصول باراك أوباما (الديمقراطي) الى البيت الأبيض. هذا التغيّر المستقبلي القريب في واشنطن، يهيئ في رأي الإيرانيين، لسياسة أميركية أكثر اعتدالاً تجاه إيران وأشد حماساً للانسحاب من العراق. لهذا، لابد للعراقيين من التريث وعدم التوقيع على أي وثيقة أو إتفاقية تفوح منها رائحة الرئيس بوش. في هذا الإطار، يؤكد أكثر من مصدر عراقي  أن المالكي لم يجمد دور وزارة الخارجية والوزير هوشيار زيباري (من قائمة التحالف الكردستاني) في المفاوضات الخاصة بالإتفاقية الأمنية مع الطرف الأميركي، إنما وضع شروطاً صارمة وقاسية لتقييد صلاحيات وفد الخارجية ومنعه من إتخاذ أي قرار خاص بتوقيت التوقيع أو بالنقاط الشائكة في مسوّدة الإتفاقية قبل التشاور معه.

في مربع آخر، تصح، أيضاً، الإشارة الى ما يصفه الأكراد بدور إيراني خفي وعلني في التصعيد الأخير بينهم وبين بغداد. فأكثر من مراقب سياسي في أربيل يتحدث الآن عن أن بغداد تحاول طرد القوات الكردية (البيشمركة) من مدن متنازع عليها مثل خانقين وجلولاء والمنذرية لا بدافع وطني عراقي، إنما نزولاً عند رغبة إيران التي تريد إخلاء هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، من الوجود الأمني والسياسي والعسكري الكردي الذي ترى فيه طهران وجوداً متعاوناً مع الولايات المتحدة. في الإطار نفسه، يشير الأكراد أن الدعوة التي وجهتها الحكومة الإيرانية الى المبعوث الدولي في العراق ستيفان دي ميستورا تندرج ضمن التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي، نظراً لكون دي ميستوراً مسؤولاً عن إعداد تقرير نهائي حول تطبيق المادة 140 ذات الصلة بكركوك والمناطق المتنازع عليها. يشار الى أن المبعوث الدولي وافق على الدعوة التي نقلتها إليه السفارة الإيرانية لدى بغداد.

في مربع ثالث، لا تخفي أوساط في بغداد قناعتها أن النظام الديني الإيراني هو الجهة التي تقف وراء دفع حكومة المالكي الى المطالبة بتسليم الإشراف المباشر على معسكر (أشرف) التابع لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة، في شرقي ديالى، الى القوات العراقية. في رأي تلك الأوساط أن إيران لم تعد تتخوف من المخاطر الأمنية لاستقرار هذه المنظمة قرب حدودها، إنما تريد الحصول على مكسب سياسي جراء إغلاق المعسكر أو طرد أفراد المنظمة الى خارج العراق.

في موضوع آخر، تصح الإشارة الى دور إيراني في دفع المالكي الى التشدد في موضوع حل مجالس الصحوات التي تنتشر في مناطق عراقية عدة وسط العراق وغربه وتختص بابناء العشائر السنية العربية في العراق. يشار الى أن هذه المجالس لعبت دوراً أساسياً في معاونة القوات الأميركية في مواجهة مقاتلي تنظيم القاعدة. كما أنها نجحت في تغليب الرأي القائل بضرورة إندماج المجموعات العراقية المتشددة، بما فيها بقايا حزب البعث، في العملية السياسية التي يقودها المالكي. لكن طهران التي ترى أن هذه المجالس لا تؤوي سوى الضباط السابقين والبعثيين السابقين الذين شاركوا في الحرب العراقية ضد إيران (1980 – 1988) لا يمكن السماح لها بالعودة الى العملية السياسية في العراق.

هذه الإشارات وأخرى غيرها في إطار المشهد السياسي العراقي، تؤكد أن تدخل إيران واتجاهاته في العراق لم يعد مجرد قرارات ميدانية يتخذها ضباط تابعون لفيلق القدس في المناطق الحدودية، إنما ملف التدخل انتقل الى طهران وأخذ يبتّ فيه كبار المسؤولين السياسيين الإيرانيين. كما أن وجهة التدخل لم تعد مقتصرة على المجموعات المسلحة فحسب، بل أصبحت تشمل، في المقام الأول، الأوساط المتنفذة في الحكومة العراقية.

في الواقع، أصبح الأميركيون يدركون أن طهران أخذت تركز على التدخل السياسي. ويدركون ايضاً أبعاد الخطر في مثل هذا التركيز. لكن المشكلة أنهم لا يتلمسون طريقاً عملياً وحلاً ناجعاً لوقف هذا التدخل، خصوصاً أن الوقت أمام إدارة بوش لم يعد فيه متسع كبير يسمح بتغييرات جوهرية في مسار العملية السياسية في العراق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شو هل تبلي! (zaid monsef)

    السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008.
    أمْسِـــكْ دُمُـوعـَــكَ أنْ تـَرْثـِــي لقـَتـْلانـَـــــا
    فالدَّمـْـــعُ يـُوقِــــفُ رَدَّ الظــُّـلـْــم ِ أحْيـَانـَـــا

    ألـْـق ِ العُـصَابـَــة َ عَـنْ عَـيْـنـَيـْـكَ تحْجُبُهَـــا
    عَـنْ رُؤيـَـةِ النـَّـار ِ تـَشـْـوي وَجْـهَ الأنبارا

    هِيَ الخِيَانـَـة ُ .. قـَدْ أمْـسـَــــــتْ مُجَـسَّـمـَـة ً
    في ذي القِيـَـــادَة ِ

    هِيَ الخيانـَـة ُ.." ضَبْـط ُ النـَّفـْـس ِ" منطِقـُهـَا
    و تـَجْـلـِـبُ الذُلَّ خـُسـْـرَانـَـــا ً فـخـُسـْـرَانـَـــا

    أمْسِـــكْ قـَوَافيــكَ أنْ تـُرْديــكَ تـَهْـلـُكـَــة ً
    تـُهـْــدي المَـشـَانـِــقَ أشْـكـَـــالا ً و ألـوانـَــــا

    بالأمْـس ِ كـُنـَّـا نـَـرَى في العـِـزِّ " قـَاهِــرَة ً"
    و اليـَـوْمَ نـَرْقـُـبُ نحْوَ العِـزِّ " طـَهْـرَانـَـا " !