نحو خصخصة القطاع الخاص

تم نشره في الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

اختلف الأردنيون، وهم اليوم أشد اختلافاً حول تقييم سياسة خصخصة المؤسسات والشركات المملوكة للقطاع العام، أو تلك التي تمتلك فيها الدولة حصة راجحة من الأسهم. لكن لم يلتفت أحد إلى أن القطاع الخاص نفسه بحاجة إلى خصخصة أو بالأحرى هو الأولى بالخصخصة.

فقطاع الأعمال، أو القطاع الخاص في الأردن مدعو إلى أن يتصرف باعتباره قطاعاً خاصاً فعلاً. لكن الملاحظ انه لا يزال أبعد ما يكون عن روح وذهنية القطاع الخاص الحقيقي، أي الذي يتمتع بصفة المبادرة والاستقلالية والريادة.

والقطاع الخاص عندنا يكاد يكون تعبيراً مجرداً وغامضاً وفضفاضاً، يخفي أكثر مما يفصح عن حاله. فهل هو جملة المؤسسات والأعمال التي تندرج في اطار السوق وتسعى إلى الربح، أم هو المنظمات الممثلة لمجتمع الأعمال، مثل الغرف الصناعية والتجارية وجمعيات الأعمال الأخرى؟!

وهل تمثل الأخيرة مصالح القطاع الخاص، وهل تصوغ هذه المصالح بلغة ومطالب ملموسة؟ وإذا كان القطاع الخاص ينطوي على تنوع كبير في حجوم المؤسسات والأرباح وفي تعدد القطاعات الفرعية، من صناعة وتجارة وخدمات مالية ومصرفية، فهل يتم التعبير عن هذا التنوع في المصالح بتنوع مماثل في البرامج والأفكار والمطالب؟ ومَن مِن هذه المنظمات يمثل الرأسمال الكبير ومن يمثل الرأسمالية المتوسطة أو الصغيرة؟ وكيف تتفاعل هذه المؤسسات مع التحولات الكبرى التي يمر بها الأردن؟! ولماذا تفتقر مختلف هذه الفئات إلى حزب سياسي، أو بالأحرى لماذا فشلت الأحزاب التي أسسها وقادها رجال أعمال مرموقون وناجحون في مجال البزنس، في الاستمرار؟!

أسئلة كثيرة ليس من السهل الإجابة عنها بعيداً عن البحث والاستقصاء لتاريخ تكوّن البرجوازية المحلية ومساراتها عبر الحقب المختلفة التي مر بها الأردن المعاصر، منذ نشأة الامارة في مطلع العشرينات من القرن السابق وإعلان المملكة الأردنية بعيد الحرب العالمية الثانية مباشرة، مروراً بتداعيات حرب 1948 ووحدة الضفتين التي عاصرت التجربة التنموية الأولى في الستينات، أي برنامج التنمية للسنوات السبع الذي بدأ تنفيذه في أواسط الستينات، لكن جاءت حرب حزيران 1967 لتحول دون إتمامه، ولتقضم جزءاً هاماً من السوق الداخلي، مع احتلال الضفة الغربية.

وبعيداً عن النهج الاختزالي والتنميطي الذي يكتفي بإطلاق الصفة "الكمبرادورية" على البرجوازية المحلية، ليعفي نفسه من مشقة البحث والاستقصاء، فإن التطور التاريخي للأردن يشير إلى أن القطاع الخاص نشأ في حضن الدولة، ونما بالاعتماد على الانفاق العام الذي كان معتمداً بالدرجة الأولى على المنح والمساعدات الخارجية، منذ بداية عشرينات القرن السابق.

حقاً لقد نما القطاع الخاص الأردني مع توسع المدن وازدياد الهجرة من الريف إليها، وخاصة عمان، ونشوء سوق داخلية وازدياد التبادل التجاري مع الأسواق الخارجية. لكن منذ حرب 1948 أدى تضخم الانفاق الحكومي، المدني والعسكري، فضلاً عن انضمام الضفة الغربية، إلى توسيع السوق المحلي وإلى ظهور الاقتصاد الحديث ونشوء الصناعات الوطنية الكبرى (الفوسفات والبوتاس والاسمنت ومصفاة البترول). كما ادى إلى خلق قاعدة صناعية رئيسية ترفد وتعزز الصناعات المتوسطة والصغيرة التي توزعت ما بين ضفتي الأردن. وقد نتج عن هذا الوضع تبلور فئات من الرأسمالية الصناعية الوطنية، إلى جانب الفئات التجارية والخدمية منها.

شكل عقد السبعينات مرحلة رسملة الاقتصاد الأردني، بما في ذلك رسملة قطاع الزراعة، وكان ذلك بفضل سلسلة خطط التنمية المكثفة التي شهدها ذلك العقد (الخطة الثلاثية 73/ 1975) والخطة الخمسية التي تلتها (1976/1980)، والتي تزامنت مع حقبة الطفرة النفطية الأولى، وأغرت باعتماد خطة خمسية ثالثة طموحة، لكنها افتقرت إلى التمويل الكافي وتزامنت مع تراجع المساعدات العربية.

أردنا من هذا العرض الخاطف إبراز حقيقة أن الدولة، وليس القطاع الخاص، كانت المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، منذ نشأة الامارة ومروراً بمختلف الحقب السياسية التي تلت. ومع أن الاقتصاد الأردني وصف حينذاك في الأدبيات الأكاديمية بأنه كان وظل "اقتصاداً حراً" ووصف أحياناً بأنه "اقتصاد مختلط"، الا أن خزينة الدولة وإنفاقها العام، (وليس دور القطاع العام كما يقال) ظل المحرك الأول والرئيسي للدورة الاقتصادية، وللتدفقات النقدية إلى السوق الداخلي.

وبطبيعة الحال فإن هذا كله ترك بصماته القوية على السيكولوجيا الاجتماعية وعلى عمليات الاصطفاء السياسية والوعي السياسي لما سمي في أدبيات المعارضة "بالقاعدة الاجتماعية-السياسية للنظام السياسي". لكنه أبعد من ذلك، أثر أيضاً على ذهنية وسلوك القطاع الخاص المديني، بأصوله الوطنية وتنوعاته المختلفة، من حيث الافتقار إلى الاستقلالية والجنوح لاسترضاء السلطة السياسية ونسج التحالفات مع رموز ما عُرف "بالبرجوازية البيروقراطية".

لقد عمق استحذاء القطاع الخاص وتبعيته الموضوعية للسياسات الحكومية التحول التدريجي لكن المتواصل لبنية البرجوازية المحلية، من خلال الانتقال المنتظم والمستمر لفئات البرجوازية البيروقراطية إلى مواقع برجوازية الأعمال الخاصة، وتعاظم التشابك والتقاطع ما بين هاتين الفئتين منذ سبعينات القرن الفائت وإلى الآن.

على ذلك فإن المطالبة "بخصخصة القطاع الخاص" في الأردن، لكي يتصرف ذلك القطاع بوحي روح وذهنية القطاع الخاص، ليست مجرد تعبير عن مفارقة في بنية ذلك القطاع، وإنما هي مطالبة مشروعة ومبررة من أجل بناء اقتصاد سوي وإقامة حدود من الاستقلالية بين القطاع الخاص والدولة، وحتى لا يبقى القطاع الخاص مجرد تعبير مجازي ومخادع، يستبطن معاني ودلالات لا يمتلكها.

لنتأمل جيداً في قيادات وهياكل منظمات الأعمال لنلحظ البصمة الحكومية التي تدمغ تكويناتها، ولننظر إلى عمليات إعادة الهيكلة والتنظيم للغرف الصناعية والتجارية ودور الحكومة في ذلك، ونتأمل الموقف الانتظاري والتبعي لهذه المنظمات تجاه مختلف السياسات الحكومية.

وأخيراً لنلقِ نظرة على نمط الاستثمار الراهن وتوزيعه قطاعياً، ولنبحث عن مجالات "الابداع" و"الريادة" فيه، ولنتعمق أكثر في العلاقات الخفية التي نسجت وتنسج بين طبقة رجال الأعمال الجدد والنخب الحكومية الجديدة في زمن الاصلاح الاقتصادي والسياسي، لنجد من هذا كله ان علة القطاع الخاص هي في تبعيته لدورة الانفاق الحكومي وضعف هامش استقلاليته، وعدم توفر بيئة سياسية وتشريعية تضمن تطوره المستقل عن السياسات الحكومية. ولذلك فإن ظواهر الريادة والابداع والميزات التنافسية ضامرة لديه أو تكاد تكون معدومة، اللهم إلا إذا كان مجال عمله السوق الخارجي، وكان بعيداً عن المحددات البيئية المحلية.

لذلك قلنا في مطلع هذا المقال مطلوب خصخصة القطاع الخاص، أي استرداده من عمليات الاستتباع السياسية ومن عقلية التلزيم والزبائنية. ولعل الخطوة الأولى هي بأن نتعرف على بنية القطاع الخاص، عيانياً، ومكوناته، ورؤية التمايزات الدقيقة ما بين فئاته المختلفة.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مبادرة مدرستي (احمد الجعافره)

    الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2008.
    لقد اثبتت مبادرة مدرستي وهي المبادره التي رعتها الملكه رانيا بالتشارك مع القطاع الخاص
    اثبتت هذه المبادره في نتائجها الواضحه لكل ذي عين بصيره انه يمكن الاعتماد على القطاع الخاص في اخذ دوره الوطني في تحريك عجلة التنميه عندما تكون هناك مبادرات جاده من قبل الحكومه لاشراكه من موقعه المستقل وليس التابع وهذا ما حصل في مبادرة مدرستي حيث كانت الرغبه في التطوير هي المحرك الاساسي لتقدم القطاع الخاص في المشاركه في تطوير وتحديث اكثر من 500 مدرسه اردنيه