الواقعية في التعامل مع روسيا

تم نشره في الاثنين 1 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

الاستراتيجية التي تتبناها روسيا في محاولة تعديل النظام ما بعد السوفييتي في المنطقة التي أطلقت عليه "جوارها القريب" سوف تستمر وربما بقدر أعظم من الدأب والمثابرة بعد انتصارها في جورجيا. ولا ينبغي لأوروبا أن تركن إلى الأوهام فيما يتصل بهذه الحقيقة، بل ويتعين عليها أن تبدأ في إعداد نفسها. ولكن بينما يتفكر الاتحاد الأوروبي ملياً فيما ينبغي عليه أن يفعل فلابد له من الاستعانة بالواقعية الهادئة وليس المبالغة في ردود الأفعال الهستيرية.

مما يدعو للأسف أن تشبيه الموقف الحالي في القوقاز بغزو الاتحاد السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا في العام 1968 لا يشير إلى تحلي أوروبا بهذا النوع من الواقعية. فلا الغرب ولا حلف شمال الأطلنطي يشكل الخطر الإستراتيجي الرئيسي الذي يهدد روسيا، بل إن التهديد يأتي روسيا من الجنوب الإسلامي ومن أقصى الشرق، وبصورة خاصة القوة العظمى الناشئة الصين. فضلاً عن ذلك فإن قوة روسيا لا تقارن بقوة الاتحاد السوفيتي السابق بأي حال من الأحوال.

الحقيقة أن روسيا تشهد تدهوراً خطيراً على الصعيد الديموغرافي. فهي باستثناء صادراتها من السلع الأساسية، ليس لديها إلا القليل مما يمكنها أن تساهم به في الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من ازدهار عائدات النفط والغاز، إلا أن البنية الأساسية في هذين القطاعين ما زالت متأخرة، وما زال الطريق طويلاً أمام روسيا حتى تتمكن من تحقيق غاية التحديث الاقتصادي الناجح. فضلاً عن ذلك فهي ما زالت تتبنى نظاماً سياسياً قانونياً استبدادياً، وما زالت المشاكل المتعلقة بالأقليات في روسيا بلا حل. نتيجة لهذا فقد يتبين في المستقبل غير البعيد أن التحدي الروسي الحالي للسيادة الجورجية على أراضيها كان بمثابة خطأ فادح.

نظراً لنقاط الضعف البنيوية هذه فإن فكرة نشوب حرب باردة جديدة ليست أكثر من مجرد وهم مضلل. فقد كانت الحرب الباردة عبارة عن سباق تحمل بين خصمين متماثلين في القوة، وفي النهاية كان على الخصم الأضعف أن يستسلم. وروسيا لا تملك القدرة على الدخول في صراع آخر من ذلك النوع. ولكن بصفتها قوة عظمى عائدة فلسوف تحاول روسيا الجديدة في الوقت الحالي التعلق بذيل غيرها من القوى العظمى ما دام ذلك متوافقاً مع إمكانياتها ومصالحها؛ ولسوف تركز على مجال نفوذها الخاص وعلى دورها كقوة عالمية عظمى في عالم الطاقة؛ ولسوف تستغل بطرق أخرى الفرص المتاحة لها على نطاق عالمي لتقييد قوة الولايات المتحدة. بيد أنها لن تتمكن من الدخول مع الولايات المتحدة في تحدٍ جاد ـ أو التطلع إلى المستقبل المتمثل في الصين ـ كما فعل الاتحاد السوفييتي ذات يوم.

لقد بات من الواضح الآن أن روسيا سوف تعود في المستقبل إلى ملاحقة مصالحها الحيوية بالاستعانة بالقوة العسكرية ـ وبصورة خاصة في "جوارها القريب". ولكن يتعين على أوروبا ألا تتقبل أبداً عودة روسيا إلى سياسات القوة العظمى، والتي تعمل وفقاً للمبدأ القائل بأن القوة هي الحق. فهنا بالتحديد تبدأ المواجهة الروسية المتجددة مع الغرب، وذلك لأن أوروبا الجديدة تقوم على مبدأ عدم انتهاك حرمة الحدود، وإيجاد الحلول السلمية للصراعات، وحكم القانون. وعلى هذا فإن التخلي عن هذا المبدأ لصالح مناطق النفوذ الاستعماري يرقى إلى الافتقار التام للقدرة على السيطرة على الذات. ولكن المزيد من توسع حلف شمال الأطلنطي في اتجاه الشرق لن يتأتى بدون مقاومة روسية شرسة. ولن يتسنى لمثل هذه السياسة أن تعزز من الأمن بأي حال من الأحوال، وذلك لأنها تستلزم بذل وعود لا يمكن الوفاء بها حين يستدعي الأمر ـ كما هي الحال الآن في جورجيا.

لقد تجاهل الغرب لمدة طويلة استرداد روسيا لقوتها ولم يكن مستعداً لتقبل العواقب. بيد أن تغير الأحوال لم يقتصر على روسيا؛ إذ أن العالم أجمع تغير. فقد أهدر المحافظون الجدد في أميركا القسم الأعظم مما كانت تتمتع به بلادهم من القوة والسلطة الأخلاقية في حرب لا ضرورة لها على الإطلاق في العراق، وكأنهم تعمدوا إضعاف القوة العالمية العظمى الوحيدة في الغرب. واليوم أصبحت الصين والهند والبرازيل وروسيا وبلدان الخليج الفارسي (العربي) تشكل مراكز النمو الجديدة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، وسرعان ما ستتحول هذه المراكز الاقتصادية إلى قوى معترف بها. وفي ضوء هذه الحقائق الجديدة فإن التهديد بالطرد من مجموعة الدول الثماني لا يشكل في الواقع زلزالاً مدمراً بالنسبة لروسيا. والحقيقة أن انقسام أوروبا وعجزها يسلط الضوء على هذه الصورة للغرب الذي فقد حسه بالواقع الجغرافي السياسي جزئياً.

إن الرد على عودة روسيا إلى سياسيات القوة العظمى الاستعمارية لا ينبغي أن يكون بمعاقبتها، بل بتأسيس مواقف قوة غربية متأصلة ـ وبخاصة أوروبية. وهذا يستلزم اتخاذ عدة إجراءات:

•     تبني توجه نشط جديد في التعامل مع تركيا، لربط ذلك البلد الذي يشكل أهمية حاسمة بالنسبة للأمن الأوروبي بأوروبا إلى الأبد.

•     وضع حدٍ لسياسات "فَـرِّق تَـسُد" التي تنتهجها موسكو، وذلك بتبني الاتحاد الأوروبي لخطة طاقة مشتركة.

•     مبادرة جادة لتعزيز قدرات أوروبا الدفاعية.

•     بذل قدر أعظم من الالتزام من جانب الاتحاد الأوروبي في التعامل مع أوكرانيا لحماية استقلالها.

•     توفير قدر أعظم من حرية السفر لجيران الاتحاد الأوروبي من جهة الشرق.

إن الأمر يتطلب كل هذا، وغيره كثيراً، لتوجيه رسالة واضحة إلى روسيا مفادها أن أوروبا ليست على استعداد للوقوف موقف المتفرج بينما تعود هي إلى ممارسة سياسات القوة العظمى.

من المؤسف أن شيئاً من ذلك لن يحدث في أغلب ظني، وهذا النوع من التقاعس عن العمل هو بالتحديد السبب وراء قوة روسيا وضعف أوروبا. ولكن في نفس الوقت لا ينبغي لنا أن نفقد بصيرتنا فيما يتصل بالمصالح المشتركة التي تربط بين روسيا والغرب. ويتعين على أوروبا أن تحافظ على العلاقات التعاونية قدر الإمكان.

لا شك أن أهل النخبة في روسيا يرون أن الضعف والتعاون لا يجتمعان. وهذا يعني أن من يريد التعاون مع روسيا ـ وهو ما يصب في مصلحة أوروبا ـ فلا بد وأن يكون قوياً. هذا هو الدرس المستفاد من العنف الذي شهدته منطقة القوقاز، والذي يتعين على أوروبا أن تستوعبه تمام الاستيعاب.

* كان وزيراً لخارجية ألمانيا ونائباً لمستشارها أثناء الفترة من العام 1998 إلى العام 2005، كما تولى زعامة حزب الخضر في ألمانيا لمدة تقرب من العشرين عاماً.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/ معهد العلوم الإنسانية

التعليق