د.باسم الطويسي

الكآبة الرياضية

تم نشره في الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

بالفعل كان حضور العرب وحصادهم في اختتام اولمبياد بكين مخجلا ويجلب المزيد من مشاعر الإحباط والشعور بالدونية الحضارية، وكما في السياسة والاقتصاد يستمر الحضور العربي في الرياضة على مقاعد المتفرجين وليس في ميدان اللاعبين، وكأن لا فرق بين حالات الانبهار والافتتان بانجازات الآخرين في الألعاب السياسية أو الرياضية وسواهما، كما لاحظنا في حجم الإعجاب والانبهار بالانجاز الصيني الذي وصل إلى حد الغزل السياسي منذ افتتاح الاولمبياد حتى إعلان الحصاد النهائي من الذهب وألوان المعادن الأخرى، مقابل المداراة والصمت الذي أحاط الإخفاق في الانجاز العربي  الذي لم يصل إلى مستوى منافسة دولة صغيرة مثل جاميكا التي لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة بينما يشكل العرب أكثر من 10% من سكان العالم كله.

المفارقة المؤلمة، ان العرب الذين يستحوذون على ألوان الذهب الأخرى وأهمها على الإطلاق الذهب الأسود يستمر عجزهم عن المنافسة والحضور العالمي في واحد من أشكال التعبير والممارسة الحضارية التي تعكسها الرياضة والتي تمثل جانبا من الحضور الشعبي  إلى جانب الحضور الرسمي، وأداة للتعبئة المعنوية التي تحرص عليها النظم السياسية والمجتمعات معا.

يمثل حصاد العرب من ذهب مسابقات الاولمبياد منذ اشتراكهم لأول مرة في اولمبياد أمستردام عام 1928 إلى المشاركة الأخيرة في بكين حالة نموذجية لقياس وفحص حالة الاسترخاء الحضاري في واحدة من أكثر الظواهر الحضارية إثارة؛ حيث كان الحصاد العربي في الدورة الأولى قبل 80 عاما ذهبيتين من نصيب المصريين، وهو العدد نفسه في الدورة الراهنة بينما بقي هذا الانجاز المتواضع يراوح حول نحو هذه الأرقام ولا يتجاوزها، وكأننا أمام حالة ثبات في الإخفاق لا تقبل قوانين التغيير ولا تستجيب لسنن الحياة.

الوجه الآخر للمفارقة التي تتجاوز حجم الكتلة السكانية، يبدو في عجز ألوان الذهب العربي الأخرى التي راكمها النفط العربي بشكل لا مثيل له، في التسلل إلى ميادين الرياضة والانتفاع منها في توطين قدرات منافسة أثبتت تجارب الشعوب القدرة على توليدها ورعايتها بالمال والأفكار والإرادة، لكن الذي حدث يبدو في ان الكآبة السياسية تسللت إلى كل مكان وأنجبت كآبة رياضية أخرى.

 تملك الرياضة ان تجعل من الصينيين سعداء بهذا الحجم من القدرة على الفرح رغم كل أشكال المعاناة، وتملك قدرة ان تضيف لشعوب أخرى المزيد من التعاسة كما هو الحال بالنسبة للعرب. فالرياضة في عالمنا المعاصر تملك قدرة هائلة على التعويض النفسي والاجتماعي، وهي أداة  بالغة الخطورة إذا ما أحسن استخدامها للاندماج الاجتماعي والتوحد المجتمعي، كما ان العائد الوطني للرياضة عكس ما يتوقع الكثيرون كبير. فالرياضة على الرغم من تحولها إلى مجال ضخم للاستثمار والبزنس، تسهم بشكل ايجابي في الاستجابة التعويضية التي تسد الفجوة التي خلقتها العلاقات الباردة السائدة في العالم المعاصر السريع.

لطالما كانت الرياضة احد المداخل الأساسية لفهم جديد للعالم، وما يحدث فيه من تحولات وانسحاب للعالم القديم في الاقتصاد والسياسة والإعلام وتبدل في الأدوار والوظائف وتغير في المفاهيم، وصولا إلى ظهور قواعد جديدة للعبة.

هذا ما يحدث بالفعل مع العرب هذه الأيام في اكتشاف قوة تمنح الحيوية والقدرة على الحياة، والقدرة على التعبير بالعفوية الشعبية أو العبقرية الشعبية، مقابل اكتشاف ان قوانين العجز عن التغير لا تكمن فقط في السياسة وسواها، بل تتجلى في الرياضة التي تضيف كآبة أخرى إلى سلالات من الكآبة المستوطنة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جزء من خريطة الالم العربي (ساهرة)

    الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2008.
    العالم العربي بشكل عام متاخر جدا باكثر من مجال والرياضة هي واحدة من هذه المجالات لعدة اسباب لا اسلط اللوم عليهم فهناك اساسيات لابد من توفرها والاهتمام بها اكثر من غيرها من مجالات الحياة فالمجتمع العربي ينقصه احتياجاته الاساسية فما بالكم بالامور التي تضفي عليه لمسة الرفاهية والظهور
  • »كاُبة عربية (عامر التلاوي)

    الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2008.
    المتابع لاولمبياد بكين والنتائج العربية بالتأكيد يصاب بالاحباط والكأبه فالسؤال الذي يطرح دائما هل ينقصنا المال ؟ ام هل تنقصنا الكفاءات المؤهله؟ ام ماذا بالضبط يوجد عند غيرنا ولا يوجد عندنا؟ لماذا نحن دائما نصفق ونشجع غيرنا؟ لماذا يصل اعجابنا بغيرنا حد الانبهار؟ الا يوجد في وطننا العربي من يستحق ان نصفق له ونشجعه وننبهر بانجازة ام نحن تعودنا على الاخفاق حتى في الرياضه , اسئلة كثيرة تدور في اذهان كل من تابع الاولمبياد ولا نجد عذرا او سببا مقنعا لاسئلتنا.وكل عام والعرب بخير
  • »فشل عربي آخر (ميس زيادنه)

    الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2008.
    يا استاذي العزيز نحن العرب من اكثر الشعوب التي تذوقت المرارة والهزيمة في تاريخناالحالي والسابق ومن شدة الخذلان والخيبة التي نشعر بها من داخل اوطاننا وخارجها يبدو كل شئ لنا عادي ومرت هزيمتنا في الاولمبياد بدون اي نعبير او حتى استذكار هزائمنا السابقة بنفس مجال الرياضة لاننا لا نتعلم ولا نسعى لان نطور انفسنا للتنافس في هذا الحدث الكبير نحن شعوب وصمنا الارهاب بوصمته واصبح الآخرون في انحاء العالم ينظروا من هذا الثقب الضيق ومن كثرة فشلنا لم نستطع نحن العرب ان نقدم انفسنا بطريقة حضارية تعبر عن روح وجوهر الاسلام القائم على التسامح واحتواء جميع المتناقضات من حولنا بالتصالح مع من هم حولنا اشكرك على مقالتك التي آلمتني هذا الصباح وذكرتني بما كنت اريد نسيانه
  • »الى الامام ياعرب (غادة شحادة)

    الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2008.
    مايلفت انتباهي في الرياضة العربية ان لدينا مهارات ومواهب ملفتة للنظر لكن السبب يكون بالمقام الاول لتأخر ركب الرياضة في عالمنا العربي الى ضعف الاهتمام الحكومي بها ربما للحكومات العذر فأنى لها تأمين حاجات المواطن الاساسية عدا عن الترفيهية والكمالية ؟ لكن مايذيب القلب كمدا اننا متأخرين حتى في مجال التسلية . عندما يتقدم فريق عربي ويربح بطولة ما , ليس وكأنه ربح العالم , لكن مجرد شعور اننا تقدمنا في شئ , شعور يثلج الصدرويفرح القلب. ورغم استغرابي لقولي هذا الكلام اذ ليس من النصر في شئ بح بطولة او كسب ميدالية . لكن ان دلك هذا على شئ فيدلك على مدى الانحطاط الذي وصلنا له والى الامام ياعرب