إبراهيم غرايبة

إسرائيل الثانية

تم نشره في الأحد 24 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

ما بين القومية المؤسسة لإسرائيل ودولة إسرائيل القائمة اليوم فرق كبير يجعل الرؤية المؤسسة برأي ستيف ستيرنهيل أسطورة، وهنا تطلق كلمة أسطورة بالمعنى الشائع والنمطي، أي  خرافي أو غير واقعي، وليس بمعناها الأصلي الذي يعني الرمز أو الفكرة المؤسسة، فقد بنيت فكرة القومية الإسرائيلية على أساس استيطان الأرض وزراعتها، في حين كان المجتمع اليهودي يعيش أكثر من 80% من أعضائه في المدن، وكان المطلوب من اليهودي الجديد أن يكون مزارعا فاتحا للبرية، وكان على القادة الصهاينة القوميين والاشتراكيين أن يبحثوا عن طرق لإنقاذ اليهود الذين تطردهم أوروبا؛ فكان رد الفعل الدفاعي تبني اشتراكية مؤثرة قبلية مشربة بعناصر دينية وتميل قليلا إلى الفردية والقيم الكونية. واستخدم القادة الصهاينة مثل آرلو سوروف، وبن غوريون مفاهيم ثقافية للسيطرة على المجتمع اليهودي وليس معادلات اجتماعية، فكانت الاشتراكية عاملا ثانويا يضحى به وبالمساواة إذا تناقض مع القومية حتى في التطبيقات العمالية التي تبدو اشتراكية مثل الكيبوتسات والتعاونيات فإنها عززت الاقتصاد الرأسمالي.

وكان الاستيطان الجماعي خيارا براغماتيا وليس أيديولوجيا، فالكيبوتس كان نتيجة عجز الرأسمالية القديمة وعدم رغبتها في إعطاء أولوية للاعتبارات القومية وتشغيل عمال يهود بدلا من العرب، ولم يكن الاستيطان الجماعي خيارا أيديولوجيا واعيا بل كان حلا تم التوصل إليه بعد سنوات عدة من محاولات توظيف العمال المهاجرين، ولم تكن حلا أيديولوجيا هدفه المساواة والملكية الجماعية، وكانت الأرباح والأعمال يتم تقاسمها وفق نظام أوجده فرانز اوبنهايمر (اقتصادي يهودي ألماني: 1864-1943) ولم يكن نظاما اشتراكيا.

وساد المجتمع في هذا الوضع تعاون بين اليسار الاشتراكي ومركز البورجوازية، وقدمت الحركة العمالية إثباتا على قدراتها العملية، فقد نظمت عمالا يحصلون على رواتب واهتمت برفاههم النسبي، وكبحت التوجهات الراديكالية ومنعت الإضرابات غير المشروعة أو المطالبة بزيادة الأجور.

وفشلت الحركة العمالية في تطوير تعليم ثانوي لأبناء أعضائها لأنه كان يراد لأبناء العمال أن يبقوا عمالا، وقد أسست المدارس في المدن، وكانت أقساطها أكبر من طاقة العمال وتحولت الهستدروت (المؤسسة العمالية النقابية) إلى مؤسسة ترعى العمال بخدمات اجتماعية واقتصادية وثقافية مقابل إخضاعهم للقيادة السياسية وكانت تضم أعضاء غير اشتراكيين وغير صهاينة فلم يكن مطلوبا سوى الانضباط والخضوع.

وكانت الحركة العمالية هي التي قدمت الطليعة السياسية والعسكرية والثقافية لدولة إسرائيل، وتكونت فجوة طبقية كبيرة داخل الحركة العمالية بين العمال والمزارعين والمديرين.

وكانت الاستراتيجية الصهيونية تتجاهل وجود العرب المواطنين في فلسطين قبل مجيء اليهود رغم علم قادة الصهيونية بان فلسطين مأهولة بسكانها وليست أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض ولم تكن هذه الاستراتيجية بسبب نقص في فهم المشكلة ولكن لإدراك واضح للتنافس الكبير بين الأهداف الأساسية للجانبين العرب واليهود.

وقد أمل بعض القادة والمفكرين الصهاينة بحل الورطة العربية بالحوار مع العرب وتقديم تطور اقتصادي سريع لهم يعوضهم عن فقدان سيطرتهم على وطنهم أو على جزء كبير منه أو بالتعايش ضمن دولة ثنائية القومية أو بفدرالية مع الدول العربية المجاورة، ولكن كلا الجانبين فهما بعضهما جيدا، وعرفا أن تطبيق الصهيونية سيكون فقط على حساب الفلسطينيين.

وبعد الهولوكوست اكتسب اليهود تعاطفا دوليا، وكان قرار التقسيم الذي قابله اليهود بفرحة غير طبيعية كانت تعبر عن عمق محنتهم في الأربعينيات، وأعلنت دولة إسرائيل في 14 مايو/ أيار 1948، أعلنها بن غوريون وكان محاطا بكل الأشخاص الرئيسيين في الحركة العمالية، وتحقق هدف الشباب الرواد الأوائل القادمين من روسيا وبولندا، وكانت الحركة الصهيونية قد سيطر عليها هاجس واحد جعلها أحادية النظرة، لقد انتصرت على كل الظروف المعادية بإلهام مبدأ أولية الأمة.

ولكن هذا الانتصار تطور إلى رفض للاعتراف بشرعية الحركة الوطنية الفلسطينية ورفض قرار التقسيم الذي فرح له اليهود واعتبروه نصرا كبيرا، لقد أصبح واضحا أن الحركة العمالية التي قادت اليهود بنجاح بقيت أسيرة إنجازها هذا، وظلت بحاجة إلى أزمة دائمة مع العرب والفلسطينيين حتى تستطيع السيطرة على مجتمعها وأن تبقيه ملتفا حولها، ولكن إلى متى؟

التعليق