حدود القوة الأميركية

تم نشره في الاثنين 18 آب / أغسطس 2008. 02:00 صباحاً

مخطئ من يعتقد أن الإدارة الأميركية الجديدة، وبغض النظر عن هويتها ديمقراطية كانت أو جمهورية، ستغير سريعاً من وجهة سياسة واشنطن بالشرق الأوسط. والسبب ببساطة، وكما أكدت من قبل في كتابات أخرى، هو عدم امتلاك القوة العظمى لمفاتيح التغيير وأزمتها الحقيقية بالمنطقة.

فمن جهة أولى، أضحت كلفة السياسة الأميركية باهظة للغاية خاصة حين النظر إلى الوجود العسكري بالعراق وتداعياته إن على مستوى الإنفاق العسكري أو الخسائر بالأرواح أو التحديات المؤسسية الكبيرة التي يواجهها اليوم جيش أميركي تتواجد قواته بكثافة في أكثر من مسرح عملياتي.

من جهة ثانية، لم تعد الولايات المتحدة وهي القوة العظمى الراغبة في ممارسة الهيمنة عالمياً وصاحبة المصالح الحيوية بالشرق الأوسط, بقادرة على إدارة الصراعات الإقليمية على نحو يتواءم مع رؤاها ويحد من التهديدات الواردة على مصالحها. اليوم، وبعد إدارتين متعاقبتين لبوش الذي أراد فريقه إعادة صياغة الخريطة الشرق أوسطية بالقضاء على أعداء الولايات المتحدة، لا تستطيع واشنطن إدارة ساحات الصراع بلبنان أو بفلسطين أو بالعراق وبالرغم من وجودها العسكري أو فيما يتعلق بالملفات الإيرانية المتعددة بصورة حاسمة بل وتتعرض في جميع هذه الساحات لمنافسة متصاعدة من قوى مناوئة.

من جهة ثالثة، هناك أزمة مصداقية حقيقية تعاني منها السياسات الأميركية بالمنطقة. والحديث هنا ليس عن خطاب ترويج الديمقراطية الذي صاغته إدارة بوش ولم تلتزم به، بل عن الدور التقليدي الذي لعبته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والمتمثل في حماية الحلفاء الشرق أوسطيين وقيادة ترتيبات الأمن الجماعي خاصة بالخليج ضماناً لاستمرار تدفق إمدادات النفط. تبرز اليوم العديد من علامات الاستفهام لدى صناع القرار بالدول الحليفة للولايات المتحدة حول مدى فاعلية سياساتها وتتبلور قراءة إقليمية ترى أن واشنطن استحالت عبئاً ومسبباً للعديد من الأزمات. ولا شك في أن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمغامرات العسكرية لإدارة بوش وحصيلتها السلبية وانحيازها غير المحدود لإسرائيل على حساب المصالح العربية.

من جهة رابعة، تراجعت مساحات حركة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وتضاءلت فاعلية أدواتها. لم تعد واشنطن تتحرك بمفردها, ويخطئ من يظن أن الحركة خارج سياق السياسات الأميركية تأتي فقط من أطراف كإيران وسورية وحماس وحزب الله. فالثابت أنها لا تقتصر عليهم، بل تمتد بوضوح إلى حلفاء للقوة العظمى أضحوا يخشون من تداعيات فعلها كالسعودية ومصر والأردن. والحصيلة على هذا المستوى هي استقلالية متصاعدة للأطراف الإقليمية الصديقة والمناوئة على حد سواء وساحات صراع تتنوع وتتعدد مدخلاتها وتتعقد خرائط المصالح الفاعلة بها.

وبصرف النظر عن هوية الساكن الجديد للبيت الأبيض بدايات العام القادم، لن تملك الإدارة الرئاسية القادمة خاصة في عامها الأول وربما الثاني إلا أن تتعامل مع هذه التركة الثقيلة بمنطق إدارة الأزمات والصراعات وباستراتيجيات تسكينية. نعم ستختلف أولويات إدارة جمهورية بقيادة ماكين المهووس بإيران والحرب على الإرهاب عن إدارة ديمقراطية بقيادة أوباما تريد التفرغ لتحسين الوضع الاقتصادي والحد من نزيف الموارد وتعول بالأساس على الدبلوماسية عوضاً عن المغامرات العسكرية. إلا أن تركة بوش ستحتم على الإدارة القادمة التقاط الأنفاس لفترة طويلة.

ahamzawy@ceip.org

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السيطرة هي الأساس (مصطفى محمد العمري)

    الاثنين 18 آب / أغسطس 2008.
    أنا لا أوافق الكاتب في أن الولايات المتحدة لم تعد تريد السيطرة على العالم وخير شاهد في العقد الأخر حيث أن الولايات تنفق ما تبنية لاقتصادها لخدمة ذلك الهدف الجيل بل هو واحد من أهم ألواوياتها , وليست القوات الأمريكية التي نراها في كثير من الدول سواء كانت حليفة أو مسيطرة هي التي تخدم الولايات المتحدة بل هناك ما هو خلف الأضواء في خدمة هذه الإمبراطورية العظمة التي لم يشهد لها التاريخ من مثيل. كائن من كان من يدخل البيت الأبيض من أي حزب وقبل القسم يستوجب علية قراءة مجموعة بنود يجب التقيد بها .
    وليس كما يقال في المسرح السياسي أن بمجرد دخولي العرين الأبيض سوف أقوم بسحب القوات الأمريكية من العراق , تلك مجرد وعود يهز المرشح يد من يساعده للوصول إلى دفة الحكم ثم يهز ثقة الشعب الأمريكي من بعدها . وهل يمكن للأسد القوي أن يترك أرنب جميل بعد صيام ثلاث عشر سنة، وخصوصا ما يحمله من نفط وهو ما يشكل النقطة البارزة في الإستراتيجية الأمريكية . فلو كان هناك من يحاول تقاسم الغنيمة حيث يصبح في المواجهة الملكة المتحدة أمريكيا روسيا (مثلث المستحيل) ستكون العواقب وخيمة فكيف أصبحت الولايات المتحدة لا تلقي بال لمسألة الشرق الأوسط كما أشار الكاتب. وأما عن حماية الحلفاء فلقد كانوا حلفاء قبل اشتعال الحرب العالمية ولم تختارهم وحيث أن المصلحة الرئيسية تبقه مصلحتهم سوء على مستوى الشرق أوسطي إذ قامت القوات الأميركية بضرب العراق.في عام 1991 ولم يكن الهدف تحرير الكويت كما يقولون بل لاستغلال العراق.. أو حتى على المستوى العالمي والأزمة الكوبية خير شاهد على أنها تتبع "مصلحتنا فوق كل مصلحة" سوء برضاء الحلفاء أو بغير رضائهم.