التباس علاقة واشنطن ببعض حلفائها

تم نشره في الأحد 17 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

بات واضحا أن الولايات المتحدة وأوروبا أُخِذتا على حين غرّة بالتصرف الروسي تجاه جورجيا، ولم يكن في حساباتهما أن ثمة في روسيا بقيّة من حنين إلى الدور الذي كان يلعبه الاتحاد السوفيتي على الساحة الدولية، وأن "فرصة" جورجيا أثارت الحمية في أوصال روسيا، التي لم تبرح ـ رغم كل انكساراتها ـ مائة بالمائة خيالاتها الامبراطورية.

هناك ما يشبه الإجماع على أن الرئيس الجورجي، ميخائيل سكاشفيلي، بتحديه روسيا ارتكب حماقة وخطأ كبيرين، سمحا بذاك الحنين وتلك الخيالات أن تجد لها بعض الصدى على أرض الواقع، وبتنا نتحدث ثانية عن "الدب الروسي"، الذي يحذر أيضا بولندا من أن استضافتها للدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها يجعلها هدفا للقصف الروسي!.

المشهد الآن في  روسيا وجورجيا وبين واشنطن وموسكو مشهد جديد، ويميل محللون إلى أن التدخل الروسي ليس خطوة عادية عابرة، بل هو تحرّك استراتيجي مدروس، يقدّم رسالة تحذيرية إلى الدول المجاورة لروسيا بأن تفكّر مليا قبل أن تقْدم على معاداة روسيا، أو الإضرار بمصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها، وهي رسالة تقول أيضا: لا تستضعفوا روسيا أكثر مما ينبغي. كما أن تحرك روسيا تجاه جورجيا يقول لواشنطن وأوروبا: إن كوسوفو لا تستحق في الحقيقة من الاستقلال أكثر من ذاك الذي تستحقه أوسيتيا وأبخازيا.

إذاً، سكاشفيلي قدّم الفرصة لموسكو بالتدخل لنجدة أوسيتيا وأبخازيا، لكن سكاشفيلي راهن في تحديه لموسكو على الحليف الأميركي، فخاب ظنه بالتأكيد من رد فعل الحليف، وتبيّن للرئيس الجورجي أن حساباته كانت خاطئة. ولقد أعلنت واشنطن بصراحة أنها لن تعود إلى اجواء الحرب الباردة، ولن تفكّر بأي مواجهة عسكرية مع موسكو.

معادلة واشنطن مع حلفائها، أو بعضهم على وجه الدقة، تدعو للتأمل، لجهة التباس الدعم الأميركي لبعض هؤلاء الحلفاء، فهذا الالتباس حدث للرئيس الفلسطيني محمود عباس حين راهن على التعهد الأميركي بأن دولة فلسطينية ستقوم قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش، ويتبيّن لعباس الآن وللجميع أن هذا بات أمرا بعيد المنال، وهذه النتيجة تصاحبها مشاعر خذلان وإحباط لدى الفلسطينيين. التباس الدعم الأميركي للحلفاء حدث أيضا عندما أقدم رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، قبل أشهر على قرارين حكوميين من الوزن الثقيل وهما الدعوة لتفكيك شبكة حزب الله وإقالة مدير أمن مطار بيروت العميد وفيق شقير، وكانت المراهنة على مظلة التحالف مع واشنطن، فما كان من "حزب الله" إلا أن قام بتحركه العسكري في بيروت والجبل وطرابلس وحسمه الواقع على الأرض لصالحه، كما يعرف الجميع، ثم جاء اتفاق الدوحة ليعكس ذلك الواقع الجديد في لبنان، وما سبقه من تراجع حكومة السنيورة عن قراريها بعد أن ثبت لها أن المراهنة على الحليف لم تكن في مكانها، وأن خطأ الحسابات في السياسة من أصعب الأخطاء.

لكن هناك من يقول إن المشكلة ليست في تخاذل واشنطن أحيانا عن تلبية آمال حلفائها وإضعافهم بالتالي، بل المشكلة في ضعف بعض هؤلاء الحلفاء على الأرض، ولقد أثبتت دروس السياسة، عموما لا حصرا، بأن من يسيطر على الأرض، ويلعب على أرض صلبة، تكون له الغلبة استراتيجيا.

سؤال واشنطن مع حلفائها يتطلب في الواقع مزيدا من البحث والمقاربات للوقوف على حقيقة التحديات التي تواجه هذه العلاقة في أكثر من ملف، وهو سؤال مطروح على طاولة الإدارة الأميركية المقبلة، خاصة وأن واشنطن أصبحت في منطقتنا بعد حرب العراق قوة إقليمية وليس فقط دولة عظمى.

التعليق