الشباب العربي .. أبعد من افتقار تكنولوجي

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

ربما يميل الكثير إلى الاعتقاد أن افتقاد، أو محدودية، الوسائل التقنية لدى شباب البلدان العربية بشكل عام هو السبب الرئيس في سلبية دور الشباب العربي وضعفه، إلا أن هذا الفهم تضعف أسسه حين نرى أن في هذه المنطقة أو تلك من البلدان العربية تتوفر التكنولوجيا الحديثة وبمتناول شريحة لا بأس بها من الشباب، ومع ذلك فإن المردود في أداء الشباب ممتلكيها لا يختلف عموماً عن نظيره في أي مكان آخر من العالم العربي. فالأمر، في الواقع، أعمق من محض توفر وسائل تكنولوجية؛ إنه ما يمكن أن نختصره، بواضح العبارة، إلى خلل بنيوي في المجتمعات العربية، والخلل البنيوي هذا لا مسؤولية مباشرة للشباب عنه، بل منشؤه تربوي، اجتماعي، ثقافي، وسياسي.

القضية ليست امتلاك، أو عدم توفر، المقدرة التقنية بقدر ما هي قضية افتقار إلى العيش بمقومات وشروط متناسبة وعالم اليوم بالدرجة الأولى على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وعلى العموم فهي عوامل مترابطة ببعضها بعضا وتلعب دوراً حاسماً في صنع الفرد المبادِر.  وللخروج من الواقع السلبي للشباب العربي، على التوازي مع تأمين الوسائل العلمية والمخابر والحواسيب والمكتبات إلخ...، يجب مراعاة حاجات الإنسان الاجتماعية، والسياسية والنفسية.

لو وضعنا جانباً المشكلات العامة والموجودة في التقارير الرسمية لجامعة الدول العربية وهذه الجهة أو تلك (والتي تركز على البطالة والفقر إلخ، والتفاوت في تفاصيل وطبيعة وحجم المشاكل بين بلد وآخر) لوجدنا أن المشكلة الأساسية في العالم العربي هي مشكلة بناء الإنسان. وعلى عكس ما يجري في العالم المتقدم، والساعي نحو التقدم، حيث تجهد المؤسسات المسؤولة بدءاً من المؤسسة الصغيرة (الأسرة) ومروراً بمؤسسات الدولة التعليمية (المدرسة والجامعة) لتنشئة الفرد بشكل يخوّله ليس فقط استخدام وتنمية مواهبه بل وأيضاً امتلاك روح المبادرة عبر التشجيع على البحث، نجد في عالمنا كل ما به تحديد، وتحجيم وشل للفرد وقدراته في مرحلة التنشئة كما في مرحلة الشباب. ناهيك عن معوقات التعفن البيروقراطي التي تعترضه، يخضع الشباب العربي ضمن الأجواء المحيطة به للضغوط الناتجة عن التعامل مع مسائل ما يسمى بـ"الثالوث المحرّم"، أي الجنس والدين والسياسة، وهي في غاية الحساسية في المجتمعات العربية.

بخلاف ما يجري في العالم، حيث يُشجَّع الفرد على البحث وتقصي المعلومة وتفحصها ومحاكمتها، فإن الفرد في العالم العربي محشور بشكل قسري ومنذ مراحل مبكرة من عمره بجو يقيّد من حركته ويشل منها ما لا غنى عنه عند إعداد الشخصية القادرة والمبادرة، وفي مراحل لاحقة من سن الشباب، يجد الفرد نفسه مضطراً على حصر حركته، بشكل عام، ضمن خطوط عرض مرسومة وفقاً لمقاييس ومعايير وقواميس ونواميس المجتمع والواقع السياسي والثقافي المحيط به. تمعناً بما هو سائد في العالم، على سبيل المثال وليس الحصر، نجد أن دور المعلم في المدرسة والأستاذ الجامعي هو إرشادي وتشجيعي أكثر منه تلقيني من حيث توجيه التلامذة والطلاب وحضهم على البحث ورؤية كل شيء وفقاً لمداركهم وتلقفهم، وتلقيهم ومحاكمتهم للمعلومات وكذلك جعل ما يرونه أو يصلون إليه أمراً يخضع للنقاش مع الآخرين، بل وهناك بعض الأقسام في جامعات العالم (في العلوم الإنسانية خصوصاً) التي تختار طلابها ممن يمكن تصنيفهم بالمشاكسين دراسياً من حيث تركيز هؤلاء الدائم على إيجاد الفجوات في مدى صلاحية هذه الفكرة أو ذاك المفهوم وتبويب الثغرات والعيوب بدلاً من القبول بالأفكار كما هي واعتبارها حقائق مطلقة. بمختصر العبارة، إضافة إلى الشكل الديمقراطي في التعاطي مع المسألة، يدل سلوك طاقم إعداد الأجيال في البلدان المتقدمة من العالم وتربيتها لتمكينها من المشاركة في تطوير مجتمعاتها على النضج، إذ يستخلص منه أن لا مفهوم، ولا أفكار ولا معلومات علمية هي مطلقة من حيث صلاحيتها وسريان مفعولها وإنما جميعها قابلة للتطوير وتخضع لشروط ومعايير الزمان والمكان من دون أن يكون هناك تبجح بمقدرة المعلم أو الأستاذ جامعي.      

ربما يجنح البعض إلى القول بأن مساهمة الشباب في أخذ دور هام في بناء مجتمعاتهم تقتصر على إيجاد فرص عمل مع وضع اقتصادي جيد، إلا أن هذا القول يفتقر إلى الدقة، لأن حاجات إنسان اليوم لا تتوقف عند الوضع الاقتصادي، وإنما تتعدى ذلك لتشمل الجانب السياسي والاجتماعي والنفسي؛ فالاستبداد أكبر عدو للإبداع، والقيود الاجتماعية هي السجن المباشر لإمكانيات الشباب. ومرة أخرى نشير إلى أن مشاكل الشباب العربي تتلخص في التناقض بين ما هو مسموح ومتاح له اجتماعياً وسياسياً وبين ما يحتاجه بشكل فعلي كإنسان يعيش في عالم اليوم. 

الشباب العربي يُدفع إلى زاوية ليصبح بها ليس فقط غير قادر على مواكبة ما يجري في عالم دائم التقدم والتطور، بل أيضاً غير قادر على فهم أو تفهم ما يجري في العالم فيتخندق بموقع يعزو منه جميع مشاكله إلى عوامل خارجية ويعتبر به أن العالم يتآمر عليه ويهدف إلى محو هويته أو يريد أن يزيله من الوجود إلخ، ولن يكون أمامه إلا- أو يتجه بشكل تلقائي إلى- التزمت كنوع من إثبات الوجود لأنه عاجز عن ذلك معرفياً وتقنياً (والدفع إلى هذه الزاوية هو المحرك الأساس لسلبية، وأفعال وردود أفعال الشاب العربي إلى حد كبير جداً).  الشباب العربي يبدو، وهذا ليس سراً، أنه ماض في سيره باتجاه فقد الصلة بواقع عالم اليوم وربما ستكون الصورة أكثر مأساوية في المستقبل- إذ لن يعرف الشباب العربي عما يتكلم الغرب- ما لم يعد النظر بالوضع الاجتماعي والسياسي للشباب جنباً إلى جنب مع الوضع الاقتصادي.

* كاتب سوري مقيم في ألمانيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة "مصباح الحرية"،

www.misbahalhurriyya.org 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشباب العربي وعجلة التقدم (مصطفى محمد العمري)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2008.
    لا يكون شرطاأساسيا قلة الموارد المتاحة طبعا ,لن أبالغ أن قلت أن في بعض الدول العربية يكون نصيب الفرد من الوسائل التقنية أكثر من الفرد الياباني أو الأمريكي ولكن يكون توظيف لتلك الإمكانيات ليس في مكانة , قد يكون من إحدى الأسباب هي الافتقار إلى المواد الصحيحة لا الأولية طبعا ,التي تعيق طريقة توظيفها إلى بناء المجتمع , وأن كان بناء الفئة الشبابية ترتبط ببناء المجتمع بأكمله , العادات والتقاليد التي تكون "بعضها" حاجز في وجه كل ما يحيط بعملية التقدم وقد رسمت حولهم أطار مكتوب عليه "ممنوع التقدم ألان" , مثال صغير أطرحه من بين أمثلة كثير على العادات والتقاليد التي تشكل عائقا كبير وللأسف أطرحه مقارنتا من الغرب لعدم توفره هناك , مهما تأخر الشباب عن التعليم قد يلتحق بأي مؤسسة تعليمية أو أي تعليم مهني غير مبالي في أي أقاويل (إن كانت طبعا) حول هذا الشيء العظيم التي تتحدث عنه عادتنا وتقاليدنا,أما في ما يتعلق بسوء استغلال الوسائل التقنية فأمثلة كثيرة حيث عندما طرحت شركة مايكروسوفت بعض الإحصائيات التي تدعو إلى الدهشة لقد كان امتلاك الحواسيب في بعض البلاد في دول الخليج ما يقارب حاسوب إلى أثنين للفرد
    بينما في الصين التي لها الكم الهائل من الجوائز في تصميم البرمجيات الحاسوبية وصناعة هذا الجهاز نفسه هو جهازين إلى ثلاث لكل أربعة أفراد , أما في ما يتعلق بسوء استخدم الموارد وضياعها فإحصائيات مخيفة بعض الشيء وتدل على أن نقص الإمكانيات الاقتصادية لا وجود لها عند البعض حيث عندما ترى أن معدل الرسائل القصيرة التي تبعث للمحطات بأنواعها في عام 2006 تساوي ثلاث بلايين دولار في دولة واحدة تعاني من مشاكل الشباب بشكل كبير قد ترى كم هيا المشكلة لا تتعلق بأي مشكلةأمكانيات اقتصادية.أن عدم تنسق الحكومات بينها وبين الشباب تؤدي إلى تبعية الشباب أنفسهم لأي جهة مهما كانت؛ لأن طبيعة الإنسان وليس الشباب فحسب تحتاج إلى منظمة لا يقفون في ضلها فحسب بل يسيرون في ضلها خصوصا بعد التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يقف شبابنا وينظرون إليه من بعيد بترقب ولهفة لمواكبة هذا التغير غير مدركين أن مفتاح التقدم غي أيديهم .وتقع مسؤولية أولك المساكين على المؤسسات التعليمية بمختلف أنوعها التي اختارت مفهوم (التلقين وعدم الثقة بالنفس ) شعارا لها.