الولايات المتحدة وطهران.. ضرورة التعارف من جديد

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 02:00 صباحاً

حضر وليم بيرنز، وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية اجتماعاً عُقِد مؤخراً في جنيف بين خافير سولانا، الأمين العام للاتحاد الأوروبي وسعيد جليلي، المفاوض الإيراني الرئيسي في الشؤون النووية. كان هذا القرار أول اتصال مباشر ورسمي بين الولايات المتحدة وإيران بعد حوالي ثلاثة عقود من العلاقات المضطربة. كان قرار إرسال بيرنز إلى المحادثات قراراً حكيماً وشجاعاً رغم دوره الرمزي كمراقب.

ما الأثر الذي يتركه ذلك على العلاقات الأميركية الإيرانية؟ اتخذت واشنطن، بهذا القرار البسيط، الخطوة الأولى في عكس مجرى الأمور مع إيران، المبادرة بكسر دائرة التصعيد المفرغة.

يُعتَبر بيرنز مسؤولاً أميركياً رفيع المستوى، يتبوأ ثالث أعلى مركز في وزارة الخارجية. ويدير وكيل الوزارة بشكل يومي قضايا السياسة الإقليمية والثنائية بشكل كامل ويشرف على المكاتب الجغرافية. نتيجة لذلك، بعث قرار الحكومة الأميركية للمشاركة في هذا الاجتماع، ومن خلال إرسال مبعوث بهذا المستوى، رسالة واضحة وجادة.

تجاوبت إيران بشكل إيجابي. اقترح منوشهر متقي، وزير الشؤون الخارجية الإيراني أن يتعرف الطرفان على بعضهما بعضاً حتى يتسنى لهما التوصل إلى تفاهم أفضل حول جذور النزاع. كما أنه كرر نداء للمزيد من الرحلات الجوية المباشرة بين طهران والولايات المتحدة. وأشار علي أكبر ولايتي، مستشار الشؤون الخارجية للمرشد الإيراني الأعلى علي خامئني إلى الأهمية الكبرى لقرار واشنطن. حتى نائب الرئيس الإيراني، اسفنديار رحيم مشائي صرح أن الشعب الإيراني صديق للشعب الأميركي.

شكّل إرسال بيرنز إلى طاولة المفاوضات حركة جيدة، إلا أنها غير كافية بحد ذاتها. هناك حاجة لمزيد من الخطوات لإثبات أن أميركا ملتزمة بمسار المشاركة الدبلوماسية.

قد يمنع الاستمرار بهذا المسار الولايات المتحدة من الولوج في نزاع مفتوح مميت ضمنياً مع إيران وحلفائها في الشرق الأوسط. وهو سوف ينقذ حياة الجنود الأميركيين ويساعد على حماية مصالح أميركا في المنطقة.

كما أنه سيساعد النظام الإيراني في سعيه نحو تحقيق الاستقرار والاعتراف. أما دفع مصالحه السياسية فسوف يتطلب الجلوس على نفس الطاولة مع المسؤولين الأميركيين والاعتراف بهم من قِبَل الولايات المتحدة كدولة صديقة بدلاً من "دولة مارقة" شريكة في "محور الشر".

كما تهدف إيران إلى وضع حد للعقوبات المفروضة من قبل أميركا والأمم المتحدة التي أثبتت أضرارها على الاقتصاد الإيراني ومستويات المعيشة. يتوجب عليها أن تبدأ ببيع غازها الطبيعي (تقبع إيران على ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي بعد روسيا) إلى الولايات المتحدة وبتطوير حقول النفط والغاز فيها.

حذر رئيس الأركان المشتركة الأميركي الأدميرال مايك مالين بُعَيد اجتماع عقده مع المسؤولين السياسيين وكبار العسكريين في إسرائيل ضد القيام بضربة عسكرية لإيران. وصرّح أنه يتوجب التعامل مع القضية النووية الإيرانية فقط من خلال القنوات الدبلوماسية، وبأن الحرب مع إيران ليست في مصلحة الولايات المتحدة. سوف يشكّل القيام بغارات جوية ضد المرافق النووية الإيرانية "ضغطاً شديداً"، يضيف مالين، وهو تعبير عسكري يعني "كارثي".

وبالمثل، سوف تعود الحرب مع أميركا بالمصائب على الإيرانيين الذين يعانون من أزمة اقتصادية خانقة، رغم الارتفاع الأخير في أسعار النفط. ويعبّر العديد من الخبراء السياسيين الإيرانيين عن خوفهم من هجمة أميركية على المرافق الإيرانية النووية والجيش والاقتصاد.

لقد تم من خلال زيارة بيرنز غرس بذرة الدبلوماسية، ويجب رعايتها.

تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على مساعدة المجتمع المدني للاستمرار في بناء علاقات إيجابية مع المجتمع المدني الإيراني. على سبيل المثال، سافر رئيس المَجْمَع الأسقفي في واشنطن العاصمة، جون برايسون شين، مؤخراً إلى إيران مرتين بدعوة من الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي. وقد تبادل وجهات النظر مع زعماء دينيين وعلماء متعددين في طهران وقم على أمل إعطاء "الدبلوماسية الدينية" فرصة.

إضافة إلى ذلك عملت الجامعة الكاثوليكية الأميركية في واشنطن العاصمة لسنوات عديدة على بناء جسور بين الولايات المتحدة وإيران، ونظّمت المؤتمرات حول موضوع "حوار الحضارات" مع شركاء إيرانيين وقامت بترتيب زيارات تبادلية لأساتذة جامعة ورجال دين إيرانيين. يتوجب على هذه المبادرات أن تستمر.

ويمكن لخطة الولايات المتحدة إنشاء وجود دبلوماسي في طهران أن تكون بنّاءة لكلا الطرفين. بالنسبة لأميركا يمكن لذلك أن يشكل نافذة تفاهم داخل الحكومة الإيرانية المبهمة نسبياً. سوف يشجّع ذلك، بالإضافة إلى الاتصال المباشر مع المسؤولين الإيرانيين، عمل الدبلوماسية العامة مع الشعب الإيراني فيما يتعلق بالثقافة والتعليم وحقوق المرأة وغيرها من المصالح المشتركة.

أما بالنسبة لإيران، فإن ذلك يوفر فرصة لتحسين سمعتها من خلال الاتصالات مع الدبلوماسيين الأميركيين. إنها نقطة بداية جيدة قد تؤدي إلى المزيد من الاعتراف بالنسبة للنظام الإيراني وظهور روابط دبلوماسية.

* باحث في مجال حل النزاعات مركزه واشنطن.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية

التعليق