القادة الفلسطينيون الأسرى

تم نشره في الأربعاء 13 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

تعلو من حين إلى آخر، قضية القادة الفلسطينيين الأسرى في سجون الاحتلال، ويتم استخدام أسماء بعضهم كأسرى للمقايضة في مفاوضات لإبرام صفقات لتبادل الأسرى، أو في إطار "نوايا" لإطلاق سراح بعضهم، وقد يكون أبرز هذه الأسماء، خاصة على المستوى الإعلامي، النائب الأسير مروان البرغوثي، ولكن في نفس الوقت هناك عدد كبير من منتخبي الجمهور الفلسطيني وقادة تنظيمات وغيرهم.

لا يمكن التمييز بين أسير وآخر، فكل أسير فلسطيني هو ضحية لجرائم الاحتلال، وما نشاطه بمختلف المستويات، إلا وسيلة لمقاومة الاحتلال، فالاحتلال هو الارهاب بعينه، وهو الأساس لعمليات كهذه أو تلك، قد تكون موضع خلاف داخلي فلسطيني، من منطلق البحث في وسائل المقاومة الأنجع التي تدفع القضية للأمام، ولكن في نهاية الموقف فإن لكل أسير فلسطيني الحق الكامل بإطلاق سراحه.

ولهذا فإن تصنيفات الاحتلال للأسرى، مثل: "أسرى أياديهم ملطخة بالدماء"، فهي تعود لقاموس احتلالي، وهي حكر عليه، ومن الضروري أن يكون مرفوضا علينا، لأنه في مقياس سفك الدماء فإن إسرائيل هي "الفائزة" دوما، ولو كان هناك منطق وعدالة دولية، لما توقفت محاكمات قادة إسرائيل أمام المحاكم الدولية على مر السنين.

ولكن في مسألة القادة الفلسطينيين الاسرى خصوصية يعرفها الاحتلال، ويستخدمها في إطار الحرب النفسية، وهذا ليس بجديد، بل إن قادة الفصائل الفلسطينية على مختلف المستويات كانوا وما يزالون هدفا للاحتلال، والسجون الإسرائيلية لم تخل يوما من هؤلاء القادة.

وفي هذه المرحلة، هناك عدد قياسي من نوعية جديدة من هؤلاء الأسرى، وهم منتخبو الشعب الفلسطيني، من حركة فتح، ثم حركة حماس، التي دخلت حديثا معترك الحلبة النيابية الفلسطينية، إضافة إلى قادة فصائل، ومن بينهم الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات.

وليس صدفة أن إسرائيل تبادر كثيرا لإثارة قضية هؤلاء الاسرى، وغالبا ما يكون من خلال مواقف رافضة لإطلاق سراحهم، وبالذات لدى الحديث عن الأسير مروان البرغوثي، لأن هذا جزء من حربها النفسية، واعتقاد منها أن هذا يساهم في خلق أجواء إحباط، على مستوى القواعد الواسعة للشعب الفلسطيني.

فمثلا نذكر انه عندما وقع البرغوثي في الأسر، في شهر نيسان (أبريل) من العام 2002، عقد رئيس الحكومة في حينه أريئيل شارون، مؤتمرا صحافيا ليعلن النبأ، وكان المشهد وكأن البيان الإسرائيلي يعلن عن انتهاء الحرب على الشعب الفلسطيني بفوز ساحق.

وكذلك الأمر حين اقتحمت قوات الاحتلال سجن أريحا لمزاعم مختلفة، في شباط (فبراير) العام 2006، لتأسر الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات وزملاءه، فقد كان في إسرائيل "أجواء انتصار" عنجهية حاقدة.

وبعد بضعة أشهر جاءت حملة اعتقال قادة حركة حماس من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، من رئيس ونواب ووزراء، كرد واضح ومعلن على أسر جندي احتلال في قطاع غزة، رغم أن ذلك الأسير وقع خلال عملية عسكرية، وفق مقاييس "لعبة الحرب" التي أدارتها وفرضتها إسرائيل نفسها، على الشعب الفلسطيني.

ومن جهة أخرى، فإن إسرائيل، وعلى الرغم من أنها دولة تمارس الاحتلال، ولا يوجد في العالم والتاريخ احتلال شرعي، تحاول الظهور "كدولة قانون"، وتشرّع لنفسها قوانين وتقيم قضاء خاصا لمحاكمة ضحايا احتلالها، وتحاول إقناع العالم، مختل التوازنات، بأن لمحاكمها شرعية، وهذا بحد ذاته مسألة خطرة جدا لأن لهذا آذان صاغية في العالم، مما يزيد من تعقيدات إطلاق سراح هؤلاء الاسرى من منظور إسرائيلي داخلي.

أمام وضعية كهذه، ومرة أخرى دون تمييز بين مجموعات الأسرى الذين تجاوز عددهم في هذه المرحلة 11 ألف أسير، هناك ضرورة لتغيير نهج التعامل مع ملف القادة الأسرى، وأن لا يكونوا أسماء تدرج على لوائح صفقات تبادل الاسرى.

ولربما هناك ضرورة لتبحث القيادة الفلسطينية في إمكانية إنطلاق حملة عالمية ضاغطة لإطلاق سراحهم، تكون على المستوى الشعبي، والرأي العام العالمي، ولكن أيضا على مستوى دبلوماسي، خاصة إذا ساهمت في حملة كهذه الجامعة العربية مثلا، ومن خلالها تطرح قضية الأسرى بشكل عام.

كل ما ينتجه الاحتلال هو أمر غير منطقي وغير شرعي، ولكن من غير المنطق أيضا، أن يتجول قادة إسرائيل بحرية ويتناوبون على المنابر الدولية، ومن بينهم من تطبق عليه كل مواصفات مجرمي حرب، في حين أن قادة فلسطينيين يقبعون في سجون الاحتلال، أسرى حرية وضمير إنساني، يستخدم الاحتلال قضيتهم كوسيلة في حربه النفسية في جهة، وليرضي عقلية العسكرة والحرب على المستوى الداخلي لديه من جهة أخرى. 

bjaraisi@gmail.com

التعليق