المجالي في محاولته الثالثة: هل ينجح؟! (2-2)

تم نشره في الأحد 27 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

للإجابة عن الأسئلة التي طرحناها في الجزء الأول من هذه المقالة، دعونا نتذكر أن مسار تأسيس الحزب منذ تشكيل هيئة المبادرين إلى الآن، قد أكد أن الثابت الوحيد والرأسمال السياسي الرئيسي للحزب هو شخصية المهندس عبد الهادي المجالي. فالأسماء الأخرى تظهر أو تغيب، لكن محور الحزب وعماده كان وسيظل هو عبد الهادي المجالي، حتى وإن أظهر ترفعاً أو تعففاً عن تولي رئاسة الحزب. وبكلمات أخرى، فإن قوة الحزب العتيد مبعثها القدرات الشخصية الكارزمية والقيادية و"الغرائز السياسية" التي يتمتع بها الباشا المجالي، فضلاً عن صلته القوية بمصادر صناعة القرار السياسي في الدولة، والدور الخاص الذي يلعبه في ضمان "انضباط" مجلس النواب للسياسات الحكومية العليا.

لكن المفارقة هي أن المجالي بقدر ما هو رأسمال الحزب السياسي ومصدر قوته الكامنة، فإنه في الوقت نفسه، مصدر ضعفه، وقد يصبح سبب مقتله. ويتجلى ذلك في مظهرين: أولهما تعددية الأدوار التي يقوم بها المجالي في الحياة السياسية، بحيث يأخذ بعضها من بعضها الآخر. فهو بحكم رئاسته لمجلس النواب وكونه رئيس أكبر كتلة فيه (لا بل في تاريخ البرلمانات الأردنية)، لم ولن يستطيع أن يعطي الحزب الموعود الوقت والجهد والتركيز القيادي المطلوب. كيف لا وهو يقوم بما يقوم به من أدوار حساسة لضبط إيقاع المجلس النيابي مع الإيقاع الحكومي والسياسات العليا، في مرحلة تتسم باحتدام الأزمة الاقتصادية وانقسام النخبة السياسية السائدة وتفشي نزعات الاحتجاج والتمرد في الحياة العامة. لذلك، لا غرابة أن يشهد مسار تشكيل "التيار الوطني" إنقطاعات طويلة، لا يفسرها الا انشغالات الباشا بأمور أهم، تتعلق بأدواره المباشرة كرئيس لمجلس النواب، وكأحد المؤثرين في صناعة السياسات العليا.

أما مظهر الضعف الثاني في حزب التيار الوطني، فهو مدى تملكه بصورة يقينية الضوء الأخضر المطلوب لحزب يطمح أن يكون "حزب دولة" وحزب "أغلبية موالية". علماً بأن التجارب السابقة أظهرت أن مثل هذا الضوء الأخضر حتى لو توفر لبعض الوقت، فإنه قد يُسحب في أية لحظة، ويحيل الأرضية التي يستند اليها إلى رمال متحركة. أليست هذه قصة صعود وهبوط الحزب الوطني الدستوري قبل عشر سنوات؟!

هل تعلّم المجالي شيئاً من تجاربه في "العهد" و"الوطني الدستوري"؟ ظاهر الأمور أن هذا لم يحدث. فالتجارب الثلاث بُنيت بالاعتماد على رصيده ودوره الشخصي وأسلوبه في العمل. والحزب الأخير لم يشذ في خطوات تأسيسه عن أسلوب العمل المعتمد في تأسيس "العهد"، وإلى حد ما "الوطني الدستوري"، وهو: جمع العرائض لحشد آلاف التواقيع على تأسيس الحزب؛ الميل للمبالغة الإعلامية في إظهار الحشود والمؤيدين في محطات محددة، مثل إعلان مبادرة إطلاق التيار أو عقد الاجتماع التحضيري الأخير، كما لو أننا بصدد عرض عسكري أو جماهيري. لكن الملفت للانتباه أن "تنام" الآلاف المؤلفة ما بين هذه المحطات، فلا نلمس لها وجوداً أو حضوراً سياسياً يومياً، وكأن "الاستدعاء" و"الاستنفار" هو الأسلوب الوحيد المتاح لإظهار القوة.

تجلى الشغف في إظهار ضخامة التيار الموعود وحجمه الاستثنائي أيضاً، في تشكيل الكتلة النيابية للتيار الوطني، التي وصل عدد المنتسبين اليها ما يفوق نصف أعضاء مجلس النواب، واستقر على 60 – 61 عضواً مؤخراً.

لكن الولع الإعلامي بالضخامة العددية للتيار الموعود وكتلته النيابية، لم تسندها فعالية سياسية أو برلمانية، بحيث تعطي الأرقام المذكورة ترجمات ملموسة لفعل هذا التيار على الأرض. فما جدوى الأرقام إذا ظلت حبيسة أوراق التسجيل، أو ظهرت فقط في اللقاءات الإعلامية أو التحضيرية للحزب، وكأنها هي المقصودة بذاتها؟

لقد شكلت كتلة التيار الوطني النيابية مكتبها الدائم منذ أواسط شباط/ فبراير 2008، وتوزعت على لجان بعدد لجان مجلس النواب. لكننا منذ ذلك التاريخ لم نسمع أو نقرأ أن الكتلة عقدت اجتماعاً لمناقشة مشروع قانون خلافي، أو أعدت لمداولات ومناقشات لجان المجلس أو جلساته العامة، أو أنها صاغت توجهاً معيناً إزاء القضايا المعروضة على المجلس. كما لم نسمع أنها انفتحت على المجتمع المدني أو السياسي، أو أنها عقدت اجتماعاً واحداً مع الأطراف المعنية بهذا القانون أو ذاك. وباختصار، فإن التيار الوطني لم يشتغل بعد ككتلة نيابية مهمتها بلورة الآراء وصياغة المواقف من الموضوعات المطروحة على المجلس النيابي.

كنا نتمنى لو أن التيار شَرَعَ منذ الإعلان عن هيئة المبادرة، بالتحرك في المحافظات أو العاصمة، وأظهر نشاطاً أو حراكاً سياسياً ملموساً للشارع السياسي. فإذا كان التيار الوطني يمثل ويضم كل هذا العدد من المؤسسين والمؤيدين، فماذا ينتظرون لبدء العمل وإظهار الحضور السياسي والمشاركة الفعالة في الحوار الوطني السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي الذي احتدم منذ أكثر من عام وما يزال؟

المسألة، إذن، ليست مجرد حشد عددي للمؤسسين والمؤيدين والمؤازرين، وإنما ترجمة هذا العدد إلى أفعال وحِرَاك سياسي واجتماعي ونيابي ملموس. هنا فقط، يبدأ التيار الوطني بلعب دوره كحزب حقيقي مؤثر في الحياة الأردنية.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أعدنا نشر المقالة كاملة على مواقعنا (حركة إبداع)

    الأحد 27 تموز / يوليو 2008.
    نشكر جريدة الغد والكاتب هاني الحوراني ونفيدكم أننا أعدنا نشر المقالتين مع الاشارة لجريدة الغد الغراء على مواقع حركة إبداع على الرابط التالي www.nazmi.org
  • »للأسف (احمد ملحم)

    الأحد 27 تموز / يوليو 2008.
    أعطيت الباشا وصفاً اقرب ما يكون لما يمكن أن ينشر ،،،،،،،،، لكن اسمح لي أن اضيف ان ما يساعد الباشا على تكرار المحاولات فراغ الساحة..... والا لما استطاع أن يجدد المحاولة مرة بعد اخرى ..... اضافة الى ان أي حزب لا بد له من دعامتان اساسيتان حتى ينشأ ويستمر، اولهما الكاريزما الشفافة المناضلة كمانديلا او الخميني ( مع الاحتفاظ بالموافقة او المخالفة) وكذلك حسن نصر الله او عبدالناصر او عرفات او غيفارا وما شابه ممن ناضلوا ............... بغض النظر عن رأيهم وصوابه او خطأه . والثاني وجود أيدولوجية فكرية شمولية ومنها السياسية ، لأن ما يتشدق به البعض حول الثوابت الاردنية كمحور للحزب فكلام فارغ لأن هذا في الاصل ما يجب ان يلتقي حوله كل الاردنيين، كما انه ليس مادة برنامج تغيير سياسي او اجتماعي او فلسفة اقتصادية............، وهذا ما يفتقده كل الاحزاب الاردنية ما عدا الاخوان الى حد ما ، لذا فانها سوف تبقى كرتونية ولا امل في نجاحها للأسف الشديد
    احمد ملحم