محمد برهومة

هل نقف مع البشير أو ضد المجازر؟

تم نشره في السبت 26 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

 

كل الحديث عن انتقائية محكمة الجنايات الدولية في التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي ترتكبها الحكومات ضد شعوبها، بخاصة في أوقات الحروب والنزاعات، لا يبرر رفض التعاطي المطلق معها ومع مواقف المنظمات الحقوقية الدولية التي تصدر تقارير تدعو لمحاكمة من يرتكبون فظاعات إنسانية ضد البشر، بمن فيهم الذين يمثلون صفة رسمية أو حكومية من المفترض أن تمنعهم عن تلك الممارسات البشعة، ذلك أن قبولهم بالمنطق الدولي ومعايير حقوق الإنسان، وانضمامهم للأمم المتحدة، يستدعي أن يحول بينهم وبين تلك الفظاعات، التي لا تنسجم إلا مع شريعة الغاب.

من الصعب أخلاقيا غض الطرف عن ذبح ربع مليون إنسان في دارفور، ناهيك عن أعمال الاغتصاب والسلب والنهب والإفساد، تحت دعوى رفض التدخل الخارجي والاختراق الوطني، وحماية "السيادة الوطنية" من القوى الأجنبية و"الاستعمار الجديد"!

 في العقود الماضية، سكت كثيرون عن جرائم صدام حسين والحكومات العراقية المتعاقبة، حين سقط مئات الآلاف من الأكراد ضحايا العنف الذي مورس ضدهم، وبلغ ذروته مع صدام في "حملة الأنفال" ( بالمناسبة ألا تستدعي التسمية تعليقاً من علماء الدين؟!) نهاية الثمانينات، حيث أباد الآلاف منهم بالأسلحة الكيماوية. ومثلما برر البعض للسلطة الفلسطينية منتصف التسعينات العنف ضد "حماس"، بحجة معاداة الأخيرة للمشروع الوطني، ومثلما برر آخرون عنف "حماس" ضد عناصر من "فتح"، بعد الحسم العسكري الذي قامت به "حماس" في غزة، بحجة أن تلك العناصر "عميلة لإسرائيل وفاسدة"، برر غيرهم لصدام فظائعه ضد الأكراد والشيعة تحت دعوى أنهم عملاء لأميركا وإيران، وأن الأكراد على علاقة مع إسرائيل. واليوم يبرر البعض عدم إدانة الرئيس السوداني عمر البشير، تحت لافتة أن في ذلك انتهاكاً للكرامة العربية؛ قائلين: كيف نرضى بمحاكمة زعيم عربي على يد "الأجانب" و"القوى الإمبريالية"؟!

هذا كله يعيد الأسئلة حول حق الآخر في أن يكون موجوداً، والإيمان باختلافه وتعدده وتنوعه، والتعاطي مع مخالفته للقوانين والأعراف والمصالح الوطنية بأساليب قضائية ومدنية حضارية يقررها القانون المحايد والقضاء المستقل النزيه، ولا يتم التعاطي مع أي مخالفات، إن وجدت، بأساليب بدائية تنمّ عن "شهوة متأصلة للعنف" ورغبة كامنة في إفناء المختلف أو الآخر أو المعارض. ولنا أن نتساءل: "هل الذات العربية لا تعترف إلا بمعاناتها هي" كما يقول الكاتب اللبناني حسام عيتاني؟ ومن هنا تتضح صورة أن ما حدث للأكراد ولأهل دارفور، لا يثير كثيرا تعاطف عربي مع هؤلاء، بل يُسوّغ لما حدث وربما يتم مباركته قولا أو صمتا.

الأجدر أن نتّسق مع أنفسنا ونحن نطالب العالم بألا يغض الطرف عن جرائم إسرائيل وعنصريتها ضد الشعب الفلسطيني، وآخرها إطلاق النار المتعمد على الفلسطيني المقيّد الذي بثته وسائل الإعلام قبل أيام، كما يجب أن نتّسق مع أنفسنا حين طالبنا العالم بألا يقف مكتوفاً أمام فظاعات "سجن أبو غريب" التي ارتكبها جنود أميركيون ضد مواطنين عراقيين. وهذا الاتساق يحتمل مقصدين: الأول أن مطالبة الآخرين بأن يقفوا مع معاناتنا التي يرتكبها المحتل أو غيره يجب أن تتضمن رفضنا لأي انتهاكات تقوم بها أطراف داخلية عندنا ضد مواطنيها وأبناء شعبها. والمقصد الثاني هو الانتباه إلى أن الغرب الذي ندينه أحيانا بالمطلق، هو، بوسائل إعلامه وليس بوسائل إعلامنا، من كشف عن جريمة "سجن أبو غريب" (الإعلام الأميركي)، وهو من قدّم للعالم صورة قتل إسرائيل بدم بارد لمحمد الدرّة (القناة الفرنسية)، ومنظمة "بيت تسليم" الإسرائيلية هي من روّجت لصورة الفلسطيني الذي أطلق جندي إسرائيلي النار على قدمه وهو معصوب العينين كما ظهر ذلك في الإعلام قبل أيام. ولنتذكر أيضاً أن الضغط الخارجي والدولي وجهود المنظمات الحقوقية الدولية، هي من أسهمت بالعمل على تحسين الشروط الإنسانية للعمالة الآسيوية والوافدة في الخليج وأسهمت بفعالية في معالجة ملف "راكبي الهجن".

إن إدانة الظلم وانتهاك حقوق الإنسان ينبغي أن يتم تبنيهما كمكونين أساسيين في ثقافتنا وأفكارنا ومواقفنا، ومن غير أن تكون هذه الإدانة شاملة ومبدئية ولا تخضع للاستثناءات من أي طرف جاءت: في الداخل أو الخارج، فإننا نعيد ونجتر من جديد عناصر تخلّفنا التي يمكن الإحالة إلى بعضها في تاريخنا العربي والإسلامي، من قبيل مقولات "عليك بطاعة ولي الأمر، فإن عدل فعليك الشكر وإن ظلم فعليك الصبر"، و"إمام ظلوم خير من فتنة تدوم".

 moweanla@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الهدف القادم دافور وتقسيم السودان (ع. شهابي)

    السبت 26 تموز / يوليو 2008.
    الحقيقة أن قضية دارفور مؤامره مفتعلة ومخطط لهامنذ سنوات والهدف منهاجعل السود ينزف منها الدم والجهد والمال، وحتى تكتمل خطة تفتيت الوطن العربي الى أقاليم ودويلات تأتمر بمصالح عدد من الدول الغربية والشركات عابرة القارات. أرجو من كاتبنا أن يسافر الى دافور ليتعرف على أكاذيب المنظمات التي تدعي بالإنسانية والتي تقوم بالتبشير وزرع الفتنة ضد العرب والمسلمين.مع الأسف نحن نعيش حملة أعلام عالمية منظمة تخلق من الأكاذيب حقائق وتوزعها على عليناويكفينا ماذا حدث ويحدث يوميا في العراق وفلسطين أمام أنظار العالم المتمدن الذي يتفرج على القتل والتدمير ولا يحرك ساكنا.
  • »المعنى واحد يحاسب وواحد لا (مهاجر)

    السبت 26 تموز / يوليو 2008.
    ليس عدلا ولكن البشير ما فكر بدارفور ولا بالمجاعات ولا باكثر من ربع مليون شخص ماتوا والحبل على الجرار بعد ما حس بالحامي راح يزور دارفور.
  • »ان نتسق مع قناعاتنا (ابوا عمار)

    السبت 26 تموز / يوليو 2008.
    لو كان الامر كذلك يا سيد محمد لقلنا عليكم بالبشير حاكموه ولكن عندما يكون الامر بمضمونة ثروات منطقة دارفور واطماع الغرب بها وعملهم على تمزيق السودان من اجلها فان الامر يحتاج الى اكثر من ادانة حاكم عربي يدرك المخطط المستقبلي لتلك المنطقة فانني جازم لو ان البشير تماشى مع اطماع الطامعين بثروات تلك المنطقة لاختلفت احكامهم على البشير ولسوق للسودانيين والعرب كزعيم من الطراز الاول باخلاصة لشعبة ووطنه.
    هنا تكمن المفارقة . وعلينا ان نطالب تلك الدول اجبار اسرائيل على تطبيق قرارات الامم المتحدة اولا وان تدان على جرائمها المستمرة من قبل المجتمع الدولي
    كبادرة حسن نوايا للشعب العربي ومن بعدها سترى العالم العربي يطالب المجتمع الدولي بمحاكمة زعمائة الدكتاتوريين.
    اما الكيل بمعيارين فلن يرضيناويمس كرامتنا ويشعرنا باننا اقل مرتبة من مرتبة الانسان.
  • »وين الأدلة. (بدر)

    السبت 26 تموز / يوليو 2008.
    "من الصعب أخلاقيا غض الطرف عن ذبح ربع مليون إنسان في دارفور"

    يا هى بالليبراليين الجدد. يا عمي انتوا ما بتاخذوا إجازة. إرتاحوا شوي.

    يا رجل وين الأدلة. ام ان تعريف جرائم الحرب يصبح قابل للمط والثني عندما يكون العرب هم المتهمون.

    نحن لاندافع عن جرائم حرب. نحن نريد ادلة. الأدلة التي نراها في كل مكان. بالله وين المقابر الجماعية ووين الجثث. في رواندا شفنا القتل والذبح والضحايا المشوهين والمقابر الجماعية. نفس الشيئ في رواندا وفي فلسطين وفي لبنان وفي العراق وفي فيتنام. طيب دارفور؟ أكيد يوجد عنف وظلم ومذابح للطرفين. وأكيد أهل دارفور مظلومين لأن عهدنا بالأنظمة العربية ان تكون دموية وسفاحة ومجرمة عندما تهدد مصالحها الحيوية مثل جيوبها وثروات المقربين لها. لكن تهمة الإبادة بدت تشبه تهمة أسلحة الدمار الشامل العراقية.
  • »Dual Vision (Issam Alshare)

    السبت 26 تموز / يوليو 2008.
    I totally agree with the article, crimes against humanity is totally unacceptable and war criminals should get what they deserve regardless their nationality or their position, 1/4 mil. ppl were killed in Darfour and still our PM Mr. Aldahabi declared that "Jordan is against the Decision of Lahay" only because Mr. AlBasheer is an Arab doesn't give him the excuse our commitment to each other as Arabs doesn't start from here being subjectives and fair is what we expect from our leaders
    with all respect. one on behalf of few.