حزب الله.."الروغان سياسة ثابتة"

تم نشره في الخميس 24 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

إذا كان مِنْ غير الأخلاقيّ تعقّب لا أخلاقيّة حزب الله والتقصّي عنها، في معرض صراعه مع قوّة (إسرائيل) هي تعريفاً، نقض على الأخلاق؛ فمِنْ غير الأخلاقيّ، كذلك، السكوت عن لا أخلاقيّة الحزب إيّاه. ولكنّ الأشدّ لا أخلاقيّة-ربّما- مِنَ الشرط المتقدّم وجوابِه، هو مديح لا أخلاقيّة الحزب المذهبيّ العسكريّ، مِنْ وجه، وهجاء المندّدين بلا أخلاقيّته، مِنْ وجه آخر.

ولعلّ مبتدأ اللا أخلاقيّة الحزباللهيّة هو وصف الحزب عمليّة التبادل الأخيرة بـ"الصفقة"؛ فهذه المفردة المستقاة مِنْ عالم المال والأعمال والتجارة والمقايضة، يجهلها أصحابها، في هذا المعرض، وهو معرض إنسانيّ، مِنْ غير خجل أو تورية. ولكنّ الخجل والتورية هذين، يبقيان أخفّ وطأة بما لا يقاس مِنَ التضليل والعماية اللذيْن غلّفا كلام حزب الله عشيّة "الصفقة" وغداتها. فهو زعم أنّ عمليّة التبادل إنّما هي "تبادل أسرى"، في حين هي في الحقيقة عمليّة استبدال رفات بأسرى. وهو تكتّم على مصير "الأسرى" إلى "الدقيقة الأخيرة"؛ ومصدر التكتّم لم يكن سعياً في الحصول على مكاسب أُخرى مِنْ العدوّ، بل لـ"تعذيب" هذا العدوّ، أي تعذيب ذوي الرفات.

وكان التكتّم هذا مدحاً على ألسنة بعض أشياع "سنّة" الحزب وأسنان "شيعته"، أي أدواته وصنائعه والمتطوّعون- مِنْ غير انتداب- إلى النفخ في "ألوهيّته" وملحميّته. ورُدّ التكتّم إلى "العقليّة الفذّة والعبقريّة التي يتمتّع بها الحزب". وسها مَنْ هجوا أفعالَ الحزب مِنْ حيث أرادوا مدحَه، عن أنّ صنيعه ينتهك أصولاً إنسانيّة ومعايير ومواثيق دوليّة، تواضع عليها مجتمع الدول وهيآته السياسيّة. وهذه نهت عن التستّر على حالة الأسرى ودعت إلى دفنهم وإكرام مثواهم. والدفن قرينة على الإكرام، وحملُ الإكرام على الدفن ليس مِنْ غير دلالة. فالدفن يواري سوءة الميت ويحول دون انتهاك حرمته. وهي حرمة اهتدى إليها الحيوان قبل الإنسان، وتعلّمها هذا مِنْ ذاك، على ما ورد في قَصَص التنزيل، حين بعث الله غراباً لأحد ابنيّ آدم ليريه كيف يواري سوءة أخيه.

والاحتجاج بـ "يهوديّة" الرفات ذريعةً للامتناع مِنَ الدفن، هو، في أضعف القول، إشاحة وانحطاط؛ فـ "اليهوديّة" عرض لجسد، والجسد هذا مركّب مِنْ جوهريْن معقوليْن: العقل والنفس. وهذه فاضت عن الأوّل، وهي مِنْ غير شكّ ذائقة الموت. وعليه، فـ "اليهوديّ" إنسيٌّ فوق ما هو "يهوديّ" وأكثر. ولمّا كان هذا هكذا، وجب أنْ يفكّ الموتُ الإنسيّ"اليهوديّ مِنْ "يهوديّته" ويطرحه منها. وهذا ما لا تقرّ به "سياسة" حزب الله، التي يقوم شطرٌ عظيم منها على تديين السياسة. فإذا صوّب "اليهوديّ" إنسيّاً، ربّما قوّضّ ذلك تلك "السياسة" وصرمها.

وهذا كلّه وغيره مثله، جزء مِنْ "سياسة" ثابتة ومقيمة، ولله الحمد، قِوامها الذي تقوم به وعليه هو الروغان. وهذه حيلة كلاميّة يعرفها الراسخون في الجدل. فحزب الله في أفعاله وأقواله، يسعه التعلّق بقضيّة هامشيّة وثانويّة وفرعيّة، وإخراجها مخرَج القضيّة الأساسيّة والعظيمة. ويبلغ إلى القضيّة "الأساسيّة" هذه مِنْ طرق متعرّجة ورائغة بدورها. فإذا قيل إنّ مغامرات الحزب ومقامراته جرّت على لبنان دماراً جائحاً، أفضى إلى قتل بشر وسفح كرامات وهدم مدن؛ راغ الحزبُ وحاد عن صلب الموضوع والسياسة واحتجّ بـ"القضيّة" إيّاها، أي العدوّ الذي كلّما قُطع له رأس نبت له آخر، شأنه شأن الأفعى الإغريقيّة المشهورة؛ تارةً في "قضيّة" الأسرى، وطوراً في مسألة مزارع شبعا. فإذا فرغت جعبة الحزب مِنَ "القضايا"، قصد إلى ضربٍ جديد ومحدث مِنْ ذرائع الحرب. والذرائع هذه تحمل الحربَ على نيّة مضمرة ومفترضة وثاوية في أعماق العدوّ، وهي نيّة شنّ عدوان على لبنان. فيسع الحزب الإلهيّ، مِنْ طريق ألوهيّته واستشرافه النبويّ، الحدس في نيّة العدوّ، والكهانة لـ"شارع" عربيّ وإسلاميّ بـ"الخطر" العظيم والمتربّص.

 وقد يكون العَود على بدء السياسة، ونزع الأسطورة مِنْ أحوال وأطوار حزب الله، وفكّ "شيعيّته" و "سياسته" بعضهما مِنْ بعض؛ خطوةً خارج مدار الروغان المزمن. ولعلّ هذه كلّها ترسم معالم طريق أصل البلاء وفصله. وهو تخطّي حزب الله الدولةَ اللبنانيّة والقيامَ عليها، والحولُ بينها وبين تبلور "مجتمعها" وهيآتها وأجسامها، واستوائها سلطةً وحيدة تحتكر العنف واتّخاذ قراريّ الحرب والسلم.

فإذا امتنع ذلك، وهو في أغلب الظنّ ممتنع ومستعص، يُستحبّ ويُستحسن في مَنْ يخرج للحرب مِنَ المناضلين، لمنازعة الوحوش وراء الحدود، أنْ لا يتحوّل إلى وحش يتكتّم على مصير الرفات؛ فحين يطيل المغرورُ النظر إلى الهاوية، تنظر الهاويةُ أيضاً إليه وتنفذ فيه، على زعم كاهن ومستشرف أعلى كعباً مِنْ كهنة الحزب المذهبيّ المسلّح.

hishamm126@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المقاومة تاج فوق الرؤوس (زياد)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    هذا ما اخر جادت به قريحة اللبراليين الجدد من سفسطة وتخاذل حتى لا اقول خيانة ثوابت الامة التي يتكلمون بلغتها ويفكرون بعقل اعداءها . هنئيا لكم ايها الليبراليين انبطاحكم في حضن العم سام وستبقى المقاومة وسيدها تاج فوق رؤوسكم الفارغة
  • »ذكاء سياسي (ماجدة الفرج)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    قد لا اتفق مع منهج وسياسة " حزب الله" في كثير من الأمور ، ولكنني قد أجد له العذر أيضا في كثير من الأمور بسبب وضع لبنان الداخلي وضعف الدولة فيه ، وتدخل الكثير من الدول في أموره ، مما يجعل مواقف" حزب الله" في كثير من الأمور تبدو " مراوغة " حسب تعبير الكاتب ، لكن ماذا عساه ان يفعل أمام عدو اسرائيلي هو ملك سياسة " الروغان" في العالم ، وكما يقال أن هناك مبدأ " المعاملة بالمثل" ومع كل ذلك لم يصل " حزب الله" إلى هذا المثل في تعامله مع العدو الاسرائيلي ، لم يفصح الحزب عن مصير الأسيرين ، وهذا ما اعتبره هو من الذكاء السياسي في تعامله مع عدو صعب ، يراها الكاتب عمل " غير أخلاقي" اذن ماذا عن أعمال العدو في تعامله مع آلاف الأسرى؟!! هل يطبق فيها المواثيق الدولية؟؟؟
    هل تعامل العدو الاسرائيلي مع الدول التي عقدت معاهدات سلام معه بأخلاقية؟؟؟
    ثم في عالم السياسة ما المنهج المتبع، الأخلاق ام المصلحة؟
    شكرا للكاتب هشام على مقاله الجدلي!!!
  • »نعم (حمد)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    اذا مشينا على نهج الكاتب فيجب على حزب الله ان يوضح حالة الاسرى حتى تعرف اسرائيل بوضعهم وبالتالي لا تفرج عن الاسرى .. وكذلك يبين كم صاروخ لديه حتى تعرف اسرائيل كيف ترد ، وكذلك ان تحدد اماكن القيادات العسكرية والمجاهدين حتى تعرف اسرائيل المسكينة التي لا تعرف المراوغة مثل حزب الله .. واخيرا لماذا تتباكى على جندين صهيونيين ولا تتباكى ولا تتباكى على 11500 اسير فلسطيني بينهم 1500 ما بين نساء واطفال وشيوخ .. لا اقول الا ان يضع رب العالمين اسرائيلي في طريقك حتى تعرف من المراوغ من عدمه .. الا اذا .. واتركها للقارئ ليفهمها .
  • »صلب الموضوع (محمد مصلح)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    في البدايه نحن نتفق بان حزب الله هو حزب تضليلي من الطراز الرفيع لكن للاسف فان الكاتب قد اتخذ منحى اخر ركز فيه على استخدام لغته الخاصه ونسي صلب الموضوع
    ليس العيب في حزب الله ان يخفي حقيقة اسراه بل هذا ما نعجز عن وصفه من الروعه
    عيوب حزب الله ليست هنا فارجو من الكاتب ان يبحث عنها ويكز عليها فهي الاهم وليس اخفاء موت الاسرى او استخدام تعبير صفقه بالشئ المعيب او المهم اصلا لنتستخدم معه كل تلك المصطلحات الفلسفيه
  • »إتفاقية جنيفا وإتفاقية هاشم غانم (سامر)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    "والاحتجاج بـ "يهوديّة" الرفات ذريعةً للامتناع مِنَ الدفن، هو، في أضعف القول، إشاحة وانحطاط"

    والله ضحكتني يا هشام. يعني لم نسمع ان المقاومة مثلت بالجثث الإسرائيلية ولم نسمع ان المقاومة عذبت أسرى إسرائيليين او عملاء لبنانيين او قتلتهم في الأسر. ولم تخرق المقاومة اية بند من إتفاقية جنيفا في معاملتها للأسرى والقتلى الإسرائيليين. أم هل يوجد إتقافية دولية انت تعلم فيها ونحن لانعلم فيها. وفي الواقع كانت المقاومة العربية في لبنان مثالا ناصعا من الحضارة والأخلاق لو قارنتها بجرائم الصهيونية والأمريكان والأنظمة العربية وأزلامهم ولو كنت محايدا لوقفت إجلالالأخلاق للمقاومة العربية في لبنان.

    انت تحاول تضخيم مشكلة غير موجودة من الأساس بنفس الطريقة التي تتهم المقاومة بتضخيم الإنجاز مع العلم ان إنجاز المقاومة يشابه الملاحم الإسلامية التاريخية حيث واجه حفنة من العرب جيوش قريش والروم وكسرا وصمدوا ثم إنتصروا.
  • »يعيش المراوغون والمزاودون والمسرحييون (سليم)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    مرة بتقولوا ان المقاومة مسرحية. ومرة مزاودة. ومرة مراوغة.
    يا عمي طيب تفضلوا وقدمو لنا مسرحية ومزاودة ومراوغة مشابهة؟ ونحن سنبوس أيديكم بل وأرجلكم بالمقابل. صحيح اللى مش قادر يوصل العنب بيقول حصرم. يعني كانك طفل يغار من لعبة إبن الجيران.
  • »زمن الأوغاد (عمر)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    تعيش المقاومة العربية. يعيش المقاومون الشرفاء. يسقط الأوغاد.
  • »Your position (Dr. Ahmad Malkawi)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    I have felt that this article should be published perfectly in the defense of IDF, I missed the objectivity and reasoning in focussing on the enemy's been victimized.
  • »ان لم تكن ذئبا اكلتك? (د. هاني عبد الحميد)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    هل كل هذه السفسطة والتعابير الضبابية فقط لان الله قيض لهذه الامة من يقول ان عصر الهزائم المبتلاه بها الامه في غفلة من الزمن من دون وجه حق ولى الى غير رجعة وهو ما نتوقع من امة سعد وخالد وصلاح الدين وبيبرس ومحمد الفاتح... والقائمة تطول وكاني بالكاتب الكريم يتجاهل حقيقة ان الكيان الصهيوني الغاصب ابتلى نفسه بهذا النوع الجديد من الاعداء باحتلاله العاصمة الحبيبة بيروت واهراقه الدماء الزكية في صبرا وشاتيلا في اظهار لبعض هواياته الدموية التي مارسها بحق امتنا ليس بدءا بمذبحة دير ياسين وانما تؤكد الوثائقيات انه ساهم في ادخال ثقافة الاغتيال الجبانة ضد احرار الامة منذ1939 ولا يزال. انا لا ادعي شرف الدفاع عن احد في هذه العجالة خصضوصا عمن يستطيع الدفاع عن امة كاملة انما ارى انه ليس من العدل اختزال شريط الاحداث الدامي والذي شهدته عدة اجيال متتابعة ولما ينته بعد فقط لان للكاتب قدرة هائلة على طي الكلام ووضع الضحية موضع الجاني الذي قدم من مختلف انحاء العالم مدعوما بكل امكانيات الشر والحقد وتصفية الحسابات الدولية ضد كل ما هو انساني ونييل في هذا العصر وربما استطيع ان اذكر بمثال يسيط مما توارثته اجيالنا من قدسية شجرة الزيتون لدى المسلمين والمسيحيين ولا يتعرض لهابالاذى سوى قتلة الانبياء والاطفال والشيوخ والنساء الذين تعج سجونهم بممارسات لا اخلاقية لا تقرها حتى شريعة الغاب في حين بشرت كافة الشرائع السماوية بحتمية زوال البغي والعدوان عن الاراضي المقدسة المغتصبة واعادة الحقوق السليبة الى اصحابها الشرعيين طال الزمن ام قصر.