على أبواب الموازنة العامة لسنة 2009

تم نشره في الثلاثاء 22 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

رغم أن إعداد الموازنة العامة كان وسيظل عملية فنية من اختصاص الخبراء الماليين، إلا أن الاتجاه المعاصر في مختلف اقاليم العالم، شماله وجنوبه بدأ ينحو نحو جعل هذه العملية ذات طابع تشاركي بين الحكومة، ممثلة في وزارة المالية أو دائرة الموازنة العامة، وبين ممثلي القطاعات الاجتماعية الأخرى، ولا سيما البرلمان والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

وكما هو معروف فإن قراءة الموازنة العامة، ناهيك عن إعدادها، يتطلب التسلح بُعدة خاصة من الخبرات والمهارات الفنية لفك ألغازها وطلاسمها، وفهم لغتها الجافة والمعقدة، وهو الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى النفور من التعاطي مع أمور الموازنة والتسليم بأمرها إلى صناع القرار. بالرغم من ذلك فإن العقود الأخيرة قد شهدت تطورات مهمة لجعل عملية إعداد الموازنة مهمة ميسرة لمختلف الفاعلين الاجتماعيين، وذلك من خلال اخراج هذه العملية من دائرة الغرف المغلقة التي كانت تقتصر على صناع القرار المالي والخبراء إلى فضاء أرحب تشارك فيه قوى متنوعة المصالح تقوم بالتأثير على عملية إعداد الموازنة العامة والتأكد من استجابتها لهذه المصالح.

من ناحية أخرى، فقد تطورت المداخل والأدوات اللازمة لمراقبة أداء الموازنة العامة ولتفكيك ألغازها وتبسيط مصطلحاتها، والقيام بقراءتها وتحليلها انطلاقاً من الاهتمامات والمصالح التي تدافع عنها هذه الجماعة او تلك. فعلى سبيل المثال طورت الحركات الجنسوية مقاربات لتشجيع إعداد الموازنات الحكومية بحيث تكون مراعية للنوع الاجتماعي. ولم تعد هذه المهمة محصورة في مؤسسات الغرب المتقدمة وإنما أيضاً تطورت في بلدان الجنوب، وتعد تجربة جمهورية جنوب افريقيا من التجارب المتقدمة في هذا المجال.

ولم يكن الأردن، في السنوات القليلة الماضية، بعيداً عن هذه التطورات، فقد عقدت خلال العامين الأخيرين ورشتا عمل لمناقشة موازنة عام 2007 وموازنة عام 2008، انطلاقاً من الحاجة إلى اعادة النظر في عملية إعداد موازنة الدولة. وقد طرحت خلال العامين الأخيرين مجموعة من المقترحات العملية، لعل أبرزها:

- التحول إلى أسلوب إعداد الموازنة الموجهة بالنتائج، من خلال وضع معايير ومؤشرات للأداء وقياس المنجز منها ومن ثم تقييم الأداء. وهو الأمر الذي يتطلب ربط الانفاق بالتخطيط طويل ومتوسط المدى، ويتطلب إعدادها مشاركة قاعدة واسعة من صانعي القرار من مختلف القطاعات، لضمان الرؤية الاستراتيجية والشمولية.

-  الانتقال بعملية إعداد الموازنة من السنة الواحدة إلى الموازنة المتعددة السنوات (والبعض يقترح أن يربط مدتها بمدة ولاية البرلمان، أي أربع سنوات). وتنسجم هذه الفكرة مع أسلوب إعداد الموازنة الموجهة بالنتائج، كأن تتفق الحكومة والبرلمان على الأهداف الكلية المطلوب بلوغها بعد عدد من السنوات، ومن ثم توزع نسب تحقيق هذه الأهداف بعد ترجمتها إلى أرقام على مدى أربع أو خمس سنوات، فما أن تحل السنة الأخيرة حتى تكون الحكومة قد حققت الأهداف التنموية المنشودة أو اقتربت منها اقتراباً جدياً.

-  مراعاة أهداف اجتماعية يتم التوافق عليها عند وضع السياسات المالية وإعداد الموازنة العامة، مثل الاستجابة للنوع الاجتماعي، الحد من الفقر، تقليص معدلات البطالة، خفض التفاوتات في الدخول أو فرص التنمية بين الاقاليم والمحافظات، التأثير في الفوارق الدخلية المتعاظمة خلال السنوات الأخيرة.

والواقع أن وزارة المالية أطلقت مؤخراً، على الأقل نظرياً، سياسة التشارك مع القطاع الخاص في عملية وضع السياسات المالية، ووقعت في العالم الماضي على اتفاقية مع منظمات الأعمال لهذه الغاية. لكن خلال عملية وضع الموازنة الأخيرة (لعام 2008) لم نلحظ على أرض الواقع أي دور لهذه المنظمات في عملية إعداد الموازنة. ومؤخراً أجرت وزارة المالية مشاورات مكثفة مع قطاع الأعمال بشأن مشروع قانون الضريبة الجديد.

ومن ناحية أخرى لوحظ ازدياد اهتمام وزارة المالية بمراعاة التطورات السلبية الأخيرة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية المستوردة، ومعدلات الغلاء والتضخم المتزايدين. وتعكس تصريحات وزير المالية مؤخراً، وجود إدراك متنام لدى الحكومة بالأبعاد الاجتماعية لعملية إعداد الموازنة. لكن هذا الإدراك لم ينعكس حتى الآن على تغيير أسلوب إعداد الموازنة العامة لسنة 2009. ولعل وزارة المالية تبادر قريباً إلى إجراء سلسلة من جولات المشاورة والحوار مع القطاعات ذات العلاقة ، ولا سيما مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، قبل إعداد الخطوط العامة لموازنة 2009.

ومن جانب أخر، فإن على البرلمان أن يجد طريقة للتأثير الفعال في عملية إعداد الموازنة العامة. فمن المعروف أن هناك محددات وقيود دستورية على المدى الذي يستطيع فيه البرلمان التأثير على محتوى الموازنة العامة للدولة. فهو ينظر في مشروع قانون الموازنة العامة فقط بعد أن تقوم الحكومة بعرض خطاب الموازنة وتقديم صيغة مشروع قانون الموازنة قبل نهاية العام. ولذلك، لا يتوفر للبرلمان الوقت الكافي لتمحيص ودراسة مشروع قانون الموازنة، هذا على افتراض توفر الخبرات المالية والفنية اللازمة لقراءة الموازنة قراءة نقدية معمقة.

كما أن الدستور يضع محددات وقيودا على اقتراح مناقلات بين بنود الموازنة أو زيادة النفقات....الخ، ولذلك فلا سبيل لتأثير فعال على عملية إعداد الموازنة إلا من خلال آلية تسمح له بالتدخل والتأثير المبكر على عملية إعداد الموازنة العامة وقبل تقديمها إلى البرلمان. ويتطلب ذلك أن تقوم اللجان المالية في مجلس النواب والأعيان بالمطالبة بالاطلاع المبكر على الاتجاهات العامة للموازنة القادمة، بدلاً من انتظارها في نهاية العام.

إن لدى البرلمان عدة وسائل للتأثير على عملية إعداد الموازنة، مثل:

-   تطوير اطار مرجعي للموازنة العامة لكي تكون مستجيبة لاحتياجات المجتمع، من خلال قائمة من المعايير والأهداف المالية والاقتصادية والاجتماعية، والطلب إلى وزارة المالية مراعاتها عند وضع الموازنة القادمة. ويمكن صياغة هذه المعايير والأهداف بالتعاون ما بين اللجان المالية لمجلسي النواب والاعيان ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة والخبراء.

-   عقد لقاءات عمل مشتركة ما بين البرلمان ومسؤولي وزارة المالية ودائرة الموازنة العامة للاطلاع مبكراً على محددات وتوجهات الموازنة في جانبي الواردات والنفقات.

-   دعوة وزير المالية، لتقديم بيان واف عن تنفيذ الموازنة الحالية، واتجاهات الموازنة المقبلة، خلال الدورة العادية القادمة، واجراء مناقشة مستفيضة لها، بما يمكّن الحكومة من الاطلاع المسبق على اتجاهات آراء البرلمان وأخذها بالاعتبار عند صياغة مشروع قانون الموازنة الجديدة.

 إن تحقيق التشاركية في عملية إعداد الموازنة العامة لا يتوقف فقط على موقف وزارة المالية، وإنما يتطلب زيادة تأهيل وتدريب أعضاء البرلمان وقادة منظمات المجتمع المدني ومنظمات الأعمال والصحافة الاقتصادية على المشاركة الفعالة والبناءة في عملية إعداد الموازنة العامة.

وربما كان السبيل الأفضل لذلك هو بناء اطر عمل مشتركة بين الأطراف الثلاثة: البرلمان، المجتمع المدني ومنظمات الأعمال والإعلام، من أجل تنمية خبرة ومهارات الأطراف المذكورة فيما يخص عملية إعداد الموازنة ومتابعتها ومراقبتها.

ويعتبر عامل الزمن ضاغطاً في هذا المجال، اذ يجب المبادرة من الآن ببناء تحالف بين هذه الأطراف، وترجمة عملية بناء وتعزيز القدرات في مجال الموازنة من خلال برامج ومشاريع عمل مشتركة تنفذ خلال الأشهر القليلة القادمة، حتى لا تجد هذه الأطراف نفسها مجبرة على التعاطي مع تحديات الموازنة القادمة في اللحظات الأخيرة وتوضع تحت الأمر الواقع، أي التعامل مع موازنة حكومية تصمم وتُشّرع في غرف مغلقة، بعيداً عن التأثير البرلماني والمجتمعي الفعال.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق