ياسر أبو هلالة

البشير .. بطل جديد لشارع محبط

تم نشره في الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

يخلع بزته العسكرية، يودع زوجته، يطلب رضا أمه، "براءة إن شاء الله" قالت أمه والدموع تنسكب على خديها. يتوجه بسيارة أجرة من دون موكب رئاسي صوب السفارة الأميركية في الخرطوم. يتفاجأ البرتو فرناندز بالطارق على باب السفارة. هل هو الرئيس الفريق عمر حسن البشير؟ يرحب به، ومن دون مقدمات يقول البشير: "أنا فاهم وأنت فاهم، لو كنت عميلا لكم لما أصدرت المحكمة قرارا باعتقالي. لا أريد تقديم طلب عمل في السي آي إيه في الوقت الضائع. ولكن أريد أن أجنب بلدي ويلات قد تترتب على مطاردتي. وبدلا من لعبة الأمم المتحدة التي لعبتموها في العراق وأفغانستان من قبل، أريد أن أختصر الطريق. وأسلم نفسي لكم مباشرة. ومن يدري فلعل المحكمة العليا عندكم تنصفني أفضل من المحكمة الجنائية الدولية".

مع أنه أقل المشاهد سوداوية، إلا أنه غير ممكن الحدوث. فالبشير لم يخلع بزته العسكرية لشيخه حسن الترابي، ووضعه في السجن؛ حفاظا على "وحدة الصف" و"المشروع الحضاري الإسلامي". وقاتل على جبهات الجنوب والشرق والغرب. والنتيجة أن نصلا جديدا سيتكسر على جسد السودان المثخن بالجراح.

فلا السودان سيهزم أميركا وحلفاءها، ولا هم سيقضون على نظام البشير. سيتحول البشير إلى زعيم مقاوم مطارد. كما صدام حسين والملا عمر. وفي الغضون تتفاقم مأساة دارفور بخاصة والسودان بعامة.

سيحظى البشير بتعاطف عربي وإسلامي غير مسبوق، على مستوى القادة والشعوب. يخشى القادة أن يلاقوا مصيره، فجلهم يتحسس البطحة التي على رأسه. أما الشعوب فتقف في الخندق المقابل للولايات المتحدة الأميركية. ولسان حالها لماذا البشير وليس بيريز؟ وليس بوش؟ وليس بلير؟ على ما ارتكبوه في فلسطين والعراق وأفغانستان بعد 2002. وستطرب الشعوب على التصريحات النارية التي سيطلقها البشير في المهرجانات الحاشدة. على شاكلة ما قاله الدكتور نافع علي نافع مدير المخابرات السودانية السابق: "لا نحمي سيادة السودان بالحوار ولا الاستجداء ولا بالتودد والتلطف، لكننا نحميها بالبندقية".

مؤسف ما وصل إليه السودان. فالأصل أن تقذف إليه فوائض المال النفطي ليكون سلة غذاء العرب. لا أن يحاصر ويفتت ويدمر. يلام "المجتمع الدولي" بقيادة الإدارة الأميركية على ما يحيق بالسودان. ولا يعفي ذلك البشير الممسك بتلابيب السلطة منذ عقدين من مسؤوليته. فهو عجز عن الحفاظ على وحدة الحركة الإسلامية التي أوصلته إلى السلطة، تماما كما عجز عن الحفاظ على وحدة البلاد. وفوق ذلك ارتكب خطايا في دارفور.

يحسن أن لا ننجر وراء العواطف المعادية لأميركا وننكر ما حاق بأهل دارفور. علينا أن نتذكر أن كل سكان دارفور مسلمون، وأن الفصيل المتمرد الرئيسي الذي وصل إلى أم درمان هو امتداد للحركة الإسلامية بقيادة الترابي. وهؤلاء مستعدون لقتال الولايات المتحدة مائة عام. والمحكمة الجنائية الدولية على ازدواجيتها وتسييسها ما كانت لتنفد لولا الشقوق الهائلة في جدار النظام.

ربما تشكل الأزمة فرصة ولو في الوقت الضائع للمراجعة القاسية مع النفس. ليس لحاكم نشعر بالإهانة عربا ومسلمين معه. وإنما للشعوب غير المحصنة من لوثة العنصرية. وقبل أن ننكر تهم اغتصاب النساء الإفريقيات هل لنا أن نسأل من يقبل أن يزوج ابنه أو ابنته من إفريقي أو إفريقية؟ أليس المشروع الإسلامي هو الذي بهر مالكوم إكس رائد نضال الأميركيين من أصول أفريقية؟ وكتب مبهورا قبل عقود كيف تناول قصعة الطعام مع أبيض؟ ألم تُسِء حماقات نظام الإنقاذ لـ"المشروع الحضاري الإسلامي" الذي انقلب على حكومة منتخبة في سبيله؟.

abuhilala@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »امر غريب جدا (عمر طه)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    لا اعرف لماذا فجأة يتحول دكتاتور فاشل الى بطل لأنه ملاحق من قبل المحكمة الدولية لجرائم ارتكبت بدعمه.
  • »الحبل على الجرار (فلاح)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    يخشى القادة أن يلاقوا مصيره، فجلهم يتحسس البطحة التي على رأسه. هذا فعلا حال معظم قيادات الانظمة العربية فالكل خايف يجيه الدور . وهذا ممكن فما حدث لصدام يمكن ان يحدث لاي زعيم عربي طالما ان هذا الزعيم لم يستطع كسب شرعيته من شعبه ويضمن التفاف شعبه حوله. وحزب الله اللبناني خير دليل فان التفاف قاعدته الشعبية حوله واستبسالها بالتضحية افشلت المشروع الاميركي الصهيوني للقضاء علية بحرب 2006
  • »الموضوعية (بشار)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    ما اجمل كتابنا عندما يتحدثون بموضوعية نحبها جميعنا
  • »نريد توضيح من الكاتب (فادي حنا)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    المقال والتحليل ينطويان على درجة كبيرة من المنطق والواقعية والخلاصات المنطقية، ولكن استفزني قول الكاتب "علينا أن نتذكر أن كل سكان دارفور مسلمون"؛ ماذا إذا لم يكن سكان دارفور مسلمين فهل يعني ذلك أن دمهم رخيص وحلال؟ هذا طرح عنصري خطير ونتمنى على الكاتب توضيح ما جاء به خصوصاً أن فقرته الأخيرة جاءت نقيض هذا الطرح، فأربكنا. شكراً.
  • »لم يحسن الاداره (بشير ابو الذهب)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    نتاثر من هذا الاجراء بحق رئيس عربي .

    المتابع لاخبار السودان يرى كثره التداعيات والمشاكل والحروب , وهذا كله دليل بان الرئيس البشير لم يحسن الاداره فتكالبت عليه المشاكل من كل حدب وصوب .

    كان الاجدى به اشاعه الديموقراطيه بين سائر الشعب حتى يصلح الامور .

    لكنه فضل التعنت والسيطره الديكتاتوريه للاسف .

    لكن نتمنى له الخلاص من هذا الواقع الجديد ونتمنى للسودان الشقيق كل الخير .
  • »صيد الفرص (احمد نجيب)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    لا داعي لتحليل ما حدث في السودا والابتعاد عن واقع الحكم في اي دولة كانت .
    الحقيقه هي كما يلي :
    اي دوله في العالم وخصوصا ذات طابع اسلامي فهي مستهدفه والعين عليها لاصطياد اي سلوك او قرار ما يتعلق ختى بحرية الفرد سنجد هناك تدخلا ما من خلال هذه المحاكم الدوليه خصوصا ادا كانت سياسة هذه الدوله لا تلتقي مع سياسة الامم المتحده ( امريكا واسرائيل) ولم تخضع لاي ابتزاز , لذلك تجد هذه الدول تعاني من نواحي عده اقتصاديه واجتماعيه وخلافه وتبقى تحت مستوى العالم الثالث لحين توفر الفرصه المناسبه وتبداء عمليه الصيد الماكر .
  • »حسبي الله (البوريني)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    لا بد لليل أن ينجلي وللقيد أن ينكسر....
    ما هذا الزمان الذي يحارب فيه الشرفاء والعصاة يصولون ويجولون في العالم دون رقيب أو حسيب...
    لكن الصحوة قادمة وهي قريبة جداً ان شاء الله
  • »مالعمل؟ (غادة شحادة)

    الأربعاء 16 تموز / يوليو 2008.
    لو فرضنا ان كل ماذكر في المقال صحيح , فان هذا لا يعطي الحق لاي كان لتقييد سلطة اي رئيس . بغض النظر عما فعله الرئيس البشير في دارفور فأن من حق كل رئيس معالجة امور دولته (دولته وليس دولة غيره) بالطريقة التي يراها مناسبة بدون شطط طبعا . ومتى كان التمرد جائرا والغرض منه فقط اثارة البلابل في الدولة فمن الافضل القضاء عليه والا جر البلد الى ويلات كثيرة
    لكن مع الاسف مايحدث عكس ان امريكا تريد ان تظل مسيطرة على العالم (نعم انا ضد امريكا قلبا وقالبا وسأظل اعتقد انها سبب كل خراب) فتخلق في كل مرة ازمة لتبقي العالم منشغلا بها فلا يأبهون بما تفعل او ستفعل ونبقى نحن ندور في فلك امريكا واسرائيل ولا ندري الى اين سيقودنا ذلك