محمد أبو رمان

الطبقة الوسطى أكثر من "ضغوط اقتصادية"!

تم نشره في الاثنين 14 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

شهدت جلسة أمس، التي عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية لمناقشة دراسة "النمو الاقتصادي وآليات تكيف الطبقة الوسطى" جدلاً واسعاً وجادّاً بين الحضور، بخاصة ذوي الخلفية الاقتصادية، وذلك في سياق تحديد مفهوم الطبقة الوسطى، ومعايير ذلك إجرائياً، وكذلك حول مدى دقة اعتماد متغير "الاستهلاك" لتحديد تأثر الطبقة الوسطى بالسياسات الاقتصادية في السنوات الأخيرة، وبالتحديد في سياق المقارنة التي عقدها المركز حول استهلاك الأسر بين عامي 2002 و2006.

الدراسة تضمنت نتائج ومعلومات وقراءات مهمة ومفيدة لوضع اليد على التحولات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية. ولعلّ الرسالة التي حرص الباحثان د. إبراهيم سيف وياسمين الطباع على التأكيد عليها في الدراسة وفي عرضهما أمس أنّ الطبقة الوسطى (تحديداً الوسطى الدنيا) تتعرّض لضغوط اقتصادية خلال السنوات الأخيرة.

في تفسيره لدواعي الدراسة الجريئة يشير د. إبراهيم سيف، معد الدراسة والخبير الاقتصادي، أنّ الهدف كان اختبار فكرة بدأت بالتداول في الأوساط السياسية والإعلامية حول انهيار الطبقة الوسطى وتفككها، وقد خلصت الدراسة بصورة غير مباشرة إلى أن الطبقة الوسطى ما تزال قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية، لكنها تعاني من ضغوطات.

في هذا السياق، وبعيداً عن بؤرة التركيز المباشرة في الدراسة الحالية؛ فإنّ الحديث سياسيا واعلاميا عن انهيار الطبقة الوسطى أو تفككها، كان في الأغلب الأعم حول الطبقة الوسطة في القطاع العام، والتي تشكلت تاريخياً في الدولة وشكلت رافعة اجتماعية لفئات عريضة وسلماً للارتقاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

المشكلة أنّ هذه الطبقة، وفقاً لمعطيات اقتصادية واقعية عديدة، هي بالفعل برسم الانهيار، إن لم تكن انهارت فعلاً، ووصلت إلى مصاف الطبقة الفقيرة، أو ما يطلق عليه "الوسطى الدنيا" (بحسب المؤشرات الاقتصادية المنباينة في الدراسات الاقتصادية). فأجور الطبقة الوسطى في القطاع العام كانت خلال مرحلة الثمانينات وبداية التسعينات تتناسب بدرجة ما مع معدل استهلاك هذه الأسر وقدرتها على التكيف مع المعطيات الاقتصادية. إلاّ أنه ومنذ تراجع دور القطاع العام وتضاعف دور القطاع الخاص، وتراجع القيمة الشرائية للدينار، بخاصة في السنوات الأخيرة، مع معدل مرتفع من التضخم وصل في الشهور الأولى من العام الحالي إلى قرابة 12.7% فإنّ "الفجوة السلبية" بين الأجور والاستهلاك تُضعف من قدرة هذه الطبقة على التماسك والبقاء وتنزلق بها إلى الأسفل حتماً.

الطبقة الوسطى في القطاع العام تضم مئات آلاف من العاملين والمتقاعدين مع أسرهم، ما يعني أننا نتحدث عن شريحة عريضة وواسعة من المجتمع تتراوح اجورها ودخولها الشهرية بين حدود عليا ودنيا متقاربة، لكن جزءا كبيرا منها (باستثناء كبار المسؤولين) يقع ضمن تصنيف الفقر، إذ لا تزيد دخولها على 600 دينار شهرياً.

خطورة الموضوع أنّ الطبقة الوسطى في القطاع العام حققت تاريخياً اندماجاً اجتماعياً واسعاً في مؤسسات الدولة، وساعدت على بناء قطاع عام تميّز بالتماسك والمرونة والكفاءة على مستوى المنطقة، وشكل صمام أمان اجتماعي وأمني وسياسي، ورافعة لعقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع. لكن الضغوط الشديدة التي تتعرض لها هذه الطبقة خلال السنوات الأخيرة تثير مخاوف حقيقية، بخاصة أن هذه الطبقة لا تزال غير قادرة على التكيف مع برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى الآن.

أشارت دراسة المركز، أيضاً، إلى محاولات التكيف من قبل الطبقة الوسطى، ومن ذلك بيع الأصول أو التحويلات أو أدوات أخرى. وربما، بالفعل، تمثلت بعض آليات التكيف ببيع الأصول بخاصة، الأرض، لكنه تكيف مؤقت، وفي الأغلب ذهبت عوائده لغايات سد الاحتياجات من التعليم والمسكن والالتزامات اليومية، ما يثير هواجس كبيرة لدى هذه الطبقة أنها تفقد رأس المال الوحيد المتبقي لها، أي الأرض. 

الحصول على عمل إضافي، هو آلية أخرى للتكيف لكنها ضاغطة نفسياً، وتؤثر سلباً على القطاع العام وتصيبه بحالة من الترهل، كما هو حاصل في السنوات الأخيرة. لكن الخوف هو من تنامي آليات أخرى للتكيف، وبعبارة أدق للتحايل، على الشروط الاقتصادية؛ كانتشار الرشوة والفساد على المستويات الإدارية، وهي علامة خطرة تؤذن بأمراض كارثية تغزو القطاع العام، كما هو حاصل في دول عربية أخرى.

إذن؛ الطبقة الوسطى في القطاع العام تحديداً تتعرّض فعلاً لأكثر من مستوى الضغوط الاقتصادية، فهي برسم الانهيار والتفكك، إن لم تتم معالجة سريعة للفجوة بين الأجور ومعدل التضخم، في حين آليات التكيف المفترضة لا تمثل طوق نجاة حقيقي لهذه الطبقة.

في المحصلة؛، دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية هي بمثابة مفتاح لمشاريع اقتصادية اجتماعية أوسع في المستقبل وتأخذ أكثر من مؤشر ومعيار، وتوفر لنا مقاربة وقراءة حول تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وحتى ثقافياً. إذ أنّ هنالك قصوراً وضعفاً واضحين في الاهتمام بالدراسات والابحاث في هذا الحقل الخطر والحساس، وهذه الدراسة رائدة في هذا المجال.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بيانات الدراسة (ابراهيم سيف)

    الاثنين 14 تموز / يوليو 2008.
    شكرا محمد على التعليق واود التوضيح أن الدراسة استندت الى بيانات رسمية صادرة عن دائرة الاحصاءات العامة، ومتغير الإنفاق هو المستخدم عامليا لقياس الرفاه، ونحن بينا في الدراسة أن الأجر لا يغطي تكاليف المعيشة التي تزداد صعوبة، وفي هذا رسالة واضحة تستحق التمعن من قبل صانع القرار،
  • »دراسة بائسة (سناء نقل)

    الاثنين 14 تموز / يوليو 2008.
    لا أثق أبدا في أرقام مركز الدرسات لاسباب كثيرة. ثم الاعتماد على متغير الانفاق لتحديد حالة الطبقة الوسطى لهو كلام فارغ. أنصح باعادة النظر في منطلقات الدراسة فهي لم تضيف أي شيء جديد إذ يعرف الجميع أن الطبقة الوسطى تتلاشى وأؤيد الكاتب ابو رمان الى ما ذهب اليه
  • »وداعا للطبقة المتوسطة (غادة شحادة)

    الاثنين 14 تموز / يوليو 2008.
    لن تجد افضل من ابناء الطبقة الوسطى ليحدثوك عنها بدون اجتماعات واحصائيات ومعطيات.
    الطبقة الوسطى اخذة في التلاشي واذا بقي الوضع على ماهو عليه فسنعود للعصر الاقطاعي . عدد كبير من متوسطي الحال وصلوا الى حد الفقر , ماذا تسمون من اخرج اولاده من المدارس الخاصة؟ ماذا تسمون من نقل رحلاته الترفيهية من العقبة الى البحر الميت ؟ ماذا تسمون من ابدل (شمات الهوا)من مكة مول الى منتزه عمان ؟ قد تكون هذه المعطيات سخيفة في نظر البعض لكنها نقطة تحول في حياة الكثيرين , طبعا لاداعي لذكر الملبس والمأكل فمن كان يشتري ملابس جديدة في بداية مواسم الصيف والشتاء اقتصر على الاعياد . اما المأكل فأشياء كثيرة سقطت من قائمة المشتروات المنزلية.
    الشاهد ان الطبقة المتوسطة تضمحل وبدأت تظهر طبقة جديدة واصبح التركيب الطبقي عندنا, اغنياء وفقراء وسلامتك من الشر
  • »دراسة ملفتة (فايز ابو حمدة)

    الاثنين 14 تموز / يوليو 2008.
    شكرا لمركز الدراسات الاستراتيجية على طرح هذا الموضوع الهام ونتمنى له مزيد من النجاح. وكل الشكر للدكتور سيف والباحثة الطباع على هذا الجهد المتميز.
  • »الطبقة الوسطى معيار اجتماعي أيضاً (ندين شهاب)

    الاثنين 14 تموز / يوليو 2008.
    الطبقة الوسطى ليست فقط مقياس اقتصادي وإنما مقياس اجتماعي يتضمن فيما يتضمن سلوكيات هذه الطبقة، فالطبقة الوسطى تنغمس في الحياة الثقافية (تحضر مسرح وتشتري كتاب وتذهب إلى السينما...) وتنفتح على العالم من خلال السفر وتشارك في الأعمال التطوعية وتتبرع للمجتمع المدني وتتواصل مع التكنولوجيا وتمارس السياحة الداخلية وتهتم بالجماليات وتتملك الأساسيات مثل المنزل والسيارة... بالطبع المدخول له دور أساسي في دعم هذه السلوكيات، فدون دخل معقول لا يستطيع الفرد شراء كتاب أو السفر أو ايجاد الوقت الكافي للعمل التطوعي أو الترفيه. ليس هناك ما يشير إلى انتشار هذه السلوكيات في بلدنا، فالانغماس في الحياة الثقافية محدود، والتطوع والتبرع لمؤسسات المجتمع المدني ضعيف، والسفر إلى الخارج محدود، والسياحة الداخلية ضعيفة... أظن أن عدد الأردنيين الذين زاروا مدينة البتراء محدود جداً. أظن أن وضع الناس المعيشي سيتحسن إذا ما تم تقليص عدد الموظفين في القطاع العام، وجزء كبير منه بطالة مقنعة، وتنشيط القطاع الخاص.