في مئوية سكة حديد الحجاز

تم نشره في الأربعاء 2 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

في أواخر آب القادم تكون قد مرت مائة سنة كاملة على استكمال بناء سكة حديد الحجاز، ووصول أول قطار إلى المدينة المنورة في الحجاز قادماً من دمشق. والمعروف أن العمل ببناء سكة الحديد قد بدأ في عام 1900 واستغرق ثمانية أعوام كاملة.

قد يحتفل العرب وقد لا يحتفلون بمرور قرن كامل على إنشاء سكة حديد الحجاز. فظاهر الأمور، حتى الآن، أن الحكومات المعنية لا تحفل بهذا الحدث، ناهيك عن أنها لم تحتفل بعد  بذكرى هذا الانجاز الحضاري المميز في مفتتح القرن العشرين. لكن هذا لا يمنع المؤسسات الأهلية والجامعات ومراكز الأبحاث وجمعيات التاريخ من أن تحيي ذكرى مد سكة الحجاز وان تستذكر الدروس والعبر من هذه المناسبة، والأهم من ذلك أن تعيد التذكير بمشاريع احياء وتجديد الخط الحديدي الحجازي، التي دفنت في أدراج الحكومات لعلها تُبعث من جديد.

وإحياء ذكرى سكة حديد الحجاز ليس مهمة الأتراك، ورثة العثمانيين، بقدر ما هي مهمة العرب المشارقة، وتحديداً الدول التي تشكل بلاد الشام أو سورية الطبيعية والمملكة العربية السعودية. فقد بنيت السكة على أراضي هذه الدول حين كانت خاضعة لسلطة العثمانيين، وشكلت نقطة تحول كبرى في المسارات الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعات هذه البلدان، رغم انها استُخدمت لمدة تقل عن عشر سنوات. فقد تعرضت للتخريب إبان الحرب العالمية الأولى، وتحديداً في الأراضي الحجازية وجنوب الأردن.

من المفارقات ان فكرة بناء سكة حديد الحجاز جاءت في مرحلة أفول الدولة العثمانية، وفي وقت كانت تعاني فيه من ضعف الموارد المالية، وتفشي الفساد الاداري وتخلخل الأمن في البلاد العربية التي ستعبرها سكة الحديد. لكن المشروع جاء أيضاً في إطار محاولات تجديد الدولة العثمانية وإصلاحها، حيث ترافقت مع عهد "التنظيمات". والعبرة ان الإرادة إذا توفرت فإنها تتغلب على العوائق المالية والظروف الصعبة وغير المؤاتية، بل انها تشحذ الهمم للبحث عن حلول متاحة قد لا يُلتفت اليها في زمن الوفرة والرخاء.

وهذا يقودنا إلى صلب الموضوع، فسكة حديد الحجاز قد تكون ارتبطت بطموح ذاتي للسلطان عبدالحميد الثاني لكسب قلوب وعقول المسلمين من خلال الجامعة الإسلامية، وقد تكون وسيلة فعالة لإحكام السيطرة المركزية على الشام والحجاز واليمن، وتسريع وتائر نقل القوات والعتاد خاصة لمواجهة مطامع الانجليز في المنطقة ولا سيما في مصر وقناة السويس. لكن الفكرة منذ أن أُطلقت في آذار/ مارس 1900 ارتبطت بفكرة الاعتماد على الذات، أو على أموال المسلمين وتبرعاتهم. وقد أثار هذا حماس قادة الرأي والشخصيات الإسلامية داخل الدولة العثمانية وفي العالم الإسلامي عموماً، الذين ترجموا حماسهم هذا بأشكال من الترويج والتأييد للمشروع في صحافة تلك الأيام.

ولا يقل أهمية عما مر ان إنشاء السكة اعتمد على القدرات الذاتية والخبرات المحلية، فرغم ان بعض مراحل المشروع ولا سيما في ذلك الجزء ما بين دمشق ودرعا، قد نفذ بمعونة مهندسين ألمان، الا أن غالبية العمل أُسند إلى مهندسين عثمانيين. كما قام بالعمل الشاق آلاف من الضباط والجنود والعمال من مختلف الجنسيات، يقدر عددهم ما بين 5 و7 آلاف.

وقد حفز المشروع على استنباط حلول ابداعية للمشكلات والعقبات التي اعترضت انشاء السكة مثل نقص المياه، أو السيول الجارفة، أو الرمال المتحركة. وقد أدى مد السكة وتشغيلها إلى إنشاء بنية تحتية جبارة قوامها نحو ألفي جسر وعبارة، استخدمت في بنائها المواد الخام المحلية. وقد توزعت محطات السكة بمعدل محطة لكل عشرين كيلو متراً، لضمان الحراسة، وكان في كل منها بئر ماء أو خزان لحفظ المياه. وغني عن البيان أن المئات من الجنود والعمال قضوا نحبهم في طريق سكة الحجاز ودفنوا فيها.

يقال أن التبرعات من مختلف البلدان غطت ثُلث تكاليف الخط التي قدرت بحوالي 4,3 مليون ليرة عثمانية. وكان من بين المتبرعين السلطان عبد الحميد الثاني نفسه وشاه ايران وخديوي مصر عباس حلمي الثاني، وقد تبرع الأخير بمواد عينية. وتشكلت في مختلف البلدان الاسلامية لجان لجمع التبرعات لبناء الخط، الذي بات عنصر تعبئة والهام لمشاعر المسلمين. اما بقية نفقات الخط فقد مولت من ايرادات طوابع خاصة بالمشروع، ومن اقتطاعات بلغت 10% من رواتب موظفي الدولة، كما جندت موارد أخرى جمعت من بيع جلود الأضاحي في مختلف البلدان لصالح المشروع.

قلصت سكة حديد الحجاز معاناة الحجاج من مختلف البلدان، فطريق الحج الشامي على سبيل المثال، كانت تستغرق أربعين يوماً (لقطع 1302 كم)، فأصبحت تستغرق خمسة أيام فقط، بينما لا تتجاوز مدة سير القطار الفعلية عن 72 ساعة بين دمشق والمدينة المنورة.

لا يتسع الحيز هنا لوصف تأثير إنشاء الخط على المناطق التي كان يقطعها، خاصة حيث بُنيت محطات فيها. فقد شجع على استقرار القبائل والتجمعات البدوية في الأرض، بعد أن قاومته في بداية الأمر، وعزز تحولهم نحو الزراعة والرعي المحدود وإقامة الحواجز الثابتة. كما ساعد بناء الخط على انتشار العمران والأخذ بمكتسبات العصر والحضارة. وبفضل الخط الحجازي تزودت المدينة المنورة بالكهرباء لأول مرة، وتحولت حيفا إلى ميناء اقليمي ومدينة تجارية، خاصة جراء ربط الخط الحجازي بخط درعا – حيفا الحديدي، كما ساعد على توطيد الأمن وسلطة الدولة المركزية في أطراف بلاد الشام والحجاز.

يقال أن قنصل بريطانيا في دمشق سخر من فكرة إنشاء سكة حديد الحجاز واعتبرها مستحيلة، وذلك بُعيد اصدار السلطان عبد الحميد فرمانة بانشائها عام 1900. لكن السفير البريطاني في اسطنبول قال بعد استكمالها إن عبد الحميد ظهر أمام ثلاثمائة مليون مسلم (عددهم في حينها) بمظهر الخليفة والزعيم الروحي للمسلمين بفعل نجاحه هذا. ويذهب البعض إلى اعتبار معدل انجاز الخط، وهو 182 كم في السنة، معدلاً قياسياً في ذلك الوقت.

إن مرور مائة عام على بناء سكة حديد الحجاز وتسيير القطارات عليها، ليس مجرد فرصة لاستذكار هذا الانجاز الحضاري الكبير، وانما هو أيضاً مناسبة لتسليط الضوء على أهمية احياء مشروع إعادة إعمار سكة الحديد الحجازية مرة أخرى، وهو المشروع الذي عقدت من أجله المؤتمرات وتشكلت له اللجان وأبرمت الاتفاقات دون جدوى.

لم نعد نحلم بوحدة عربية ناجزة وكاملة، ولم نعد نتخيل امكانية إزالة الحدود القائمة بين دولنا، لكن ليس كثيراً أن نحلم، وأن نطالب، بتجديد سكة حديد الحجاز كوسيلة عصرية واقتصادية لانتقال المواطنين والبضائع وتعزيز التفاعل والتبادل بين دول المنطقة.

فهل نحتفل في 23 – 28 آب القادم بولادة حركة تجديد سكة حديد الحجاز؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مشروع يستحق العمل لاجله (ابوا عمار)

    الأربعاء 2 تموز / يوليو 2008.
    على الاقل عمل العثمانيون على توحيد المنطقة او بالاحرى كانت المنطقة موحده جغرافيا وخط السكه الحجازي ربط بين الدول التي يمر بها. فهل ذلك يرضي من مزقوا المنطقة واعني بريطانيا العظمى انذاك طبعا لا، فبعد تمزيق المنطقة وتحويلها الى دويلات صغيرة مع ترك بؤر نزاعات محلية لاستغلالها مستقبلا لابقاء المنطقة بصراع دائم يخدم مصالحهم الاستعماريه وكان اهم عمل قاموا به تخريب خط السكه الحديدية الجامع لمصالح هذة الدول. ولكن الم يحين الوقت لاعادة احيائه لما فيه مصلحة الجميع . فاعادته الى الحياة سوف يخدم المنطقة والتجارة البينيه بين الدول التي يمر بها الخط وسوف يساعد على السياحة البينيه ايضا لو اعادوا احيائة بمستوى السكك الحديديه الاوروبيه