بعض سياسيّات المباريات الأوروبيّة

تم نشره في الثلاثاء 1 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

الباحثون عن الدلالات السياسيّة، وربّما السوسيولوجيّة، للرياضة، وجدوا بعض ضالّتهم في المباريات الأخيرة للبطولة الأوروبيّة في كرة القدم.

-فعجز الفريق البريطانيّ عن بلوغ التأهيل أضاف جرعة الى الرصيد السالب لرئيس الحكومة غوردون براون وعهده. ذاك أن الأخير ما كان ينقصه إلا هذا الحدث لإظهار كم أن أيّام حكمه سوداء على بلده. والمفارقة تتّخذ أبعاداً إضافيّة حين نتذكّر كلّ الضجيج الذي سبق وصول براون الى 10 داوننغ ستريت: فهو، كما جرى التأكيد مراراً، القائد الاستثنائيّ والفذّ الذي يجمع بين قوّة الشخصيّة والإصرار النضاليّ والثقافة الرفيعة والشرعيّة العماليّة والدأب غير المعهود الذي سبق أن أظهره كوزير للخزانة. وهو من يقف توني بلير في طريق صعوده متمسّكاً بسلطة هي حقّ براون الطبيعيّ.

مع ذلك كلّه، ما إن أتيحت الفرصة له، حتّى راح الفشل يجرّ الفشل، خصوصاً في مجاله الأثير، أي الاقتصاد والمال، إلى أن بات براون اليوم يُعدّ أقلّ رؤساء حكومات بريطانيا شعبيّاً. كرة القدم توّجت هذه الوجهة.

-كان للمباريات الألمانيّة – التركيّة أكثر من معنى ودلالة. ظُنّ لوهلة أنها ستكون مناسبة للثأر المتبادل: ثأر العمالة التركيّة المهاجرة من الألمان، وثأر العنصريّة الألمانيّة من الأتراك.

البعض تمنّى أن تنتصر ألمانيا لأنها بهذا تؤكّد للأتراك أن "العين لا تقاوم المخرز"، لا في الرياضة ولا في سواها. البعض الآخر تمنّى أن تنتصر تركيا لأنّ نصراً كهذا سوف يرفع معنويّات الأتراك ويؤكّد لهم أن سعيهم الى دخول أوروبا شرعيّ ووراءه منطق يسنده. بعض آخر ذهب أبعد من ذلك وتمنّى "كسر الرؤوس" للأوروبيّين الشماليّين من ذوي الرؤوس الحامية.

على أيّة حال، أظهرت المباريات التي نمّت عن قدرات مدهشة لدى الفريقين، أن الرياضة لا زالت قادرة على أن تكون مسرحاً للتنافس النبيل. وكان مدهشاً أن ترتفع أعلام تركيّة في ألمانيا نفسها وأن يبدو الأمر "لعباً"، وهو حقّاً كذلك. فالقوميّة، وإن بقي على الهوامش والأطراف، متعصّبون وغلاة، شوفينيّون وعنصريّون، بدأت، في أوروبا الغربيّة والشماليّة، تفقد جذوتها وقدرتها على التعبئة.

حتّى عنف كرة القدم حين يحصل، وكثيراً ما يحصل، يكون تنفيساً لعنف يُستحسن ألاّ يظهر في الساحات الأخرى، لا سيّما منها السياسة.

-أسبانيا في مواجهة روسيا وجدت أيضاً ما يقابلها في المعاني السياسيّة: أسبانيا زاباتيرو بدت واعدة وصاعدة، خصوصاً بعدما هزمت إيطاليا سيلفيو بيرلوسكوني العائد الى رئاسة الحكومة في روما حاملاً معه فضائحه. والحال أن مدريد التي جدّدت انتخاب زاباتيرو وحزبه الاشتراكيّ، تتحوّل قدوة ومثالاً في الاقتصاد والسياسة، والآن في الرياضة أيضاً.

روسيا على العكس. فهي في طموحها الامبراطوريّ المستعاد والمعزّز بعائدات نفطيّة ضخمة وبموارد باتت الدولة البوتينيّة قادرة على جبايتها، كانت في أمسّ الحاجة لأن تحرز انتصاراً باهراً. كان المطلوب أيضاً ألاّ يتعرّض خطّ الصعود البوتينيّ الى أيّ انكسار مع انتقال صاحبه من رئاسة الدولة الى رئاسة الحكومة. بيد أن المباريات الأخيرة لم تكن فألاً حسناً على ميدفيديف، صنيعة بوتين وخليفته الى حين. وبمعنى ما، كان مفيداً أن تشعر الاندفاعة الإمبراطوريّة لموسكو بنكسة ما.

-فرنسا في الملعب، بصعودها وهبوطها، تشبه، هي الأخرى، إدارة ساركوزي. ما من شيء حاسم وما من أمر أكيد.

التعليق