ياسر أبو هلالة

ينأى بنفسه عن السلطة خير لهما

تم نشره في الأحد 1 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

تفرض صعوبات الحياة المعيشية على المثقفين العرب علاقة تبعية مع السلطة أحيانا أو تماهيا معها أحيانا أخرى. فلا يستطيع مثقف أن يعيش بصورة محترمة اعتمادا على إنتاجه الثقافي. فالجماهير التي يفني ذاته لأجلها لا تقرأ وإن رغبت في القراءة ليس لديها إمكانية القوة الشرائية لإنعاش سوق الكتاب أو المسرح وغيرهما من منتجات الثقافة. كما بندول الساعة عين على الحاكم وعين على الجماهير وكثيرا ما تستقر العين على الأول الذي ينفع ويمنع. فهو من لديه المناصب والهبات والبعاث بموازاة السجون والمعتقلات. أما الجماهير فلم تعد تملك حتى الضجيج ولاذت بالصمت لاهثة وراء عيش غير كريم.

ومثل الزيجات الفاشلة المبنية على طمع وتفتقد إلى الحب، يعذب الطرفان تحت سقف واحد. ويظل للحاكم حق الطلاق إن شاء أو منح بيت طاعة للزوجة والتفرغ لمزيد من الزيجات والخليلات. قلّ أن تجد في العالمين العربي والإسلامي علاقة سوية بين الحاكم والمثقف، وكثيرا ما ينتهي المثقف على عود مشنقة أو كرسي منصب. حتى  وصول خاتمي إلى رئاسة الجمهورية في إيران استثناء لكنه انتهى إلى فشل.

لاتبدو الحال في مجتمع ديمقراطي ناضج مثل الولايات المتحدة الأميركية أحسن كثيرا. في مقالة للباحث علاء البيومي، المنشورة في مجلة آراء، يرسم مشهدا غريبا لعلاقة المحافظين الجدد في السلطة. وهم الذين جاؤوا من بيئات ثقافية وعلمية مرموقة. يرى البيومي أن "نقطة انطلاق المحافظين الجدد في رؤيتهم للدور السياسي للمثقف الأميركي يعبر عنها بوضوح نورمان بودهوريتز وهو أحد أهم مؤسسي تيار المحافظين الجدد بصورته الراهنة بالمشاركة مع القطب الآخر للحركة إيرفينج كريستول. والمعروف أن بودهوريتز تولى رئاسة تحرير مجلة (كومنتاري) الصادرة عن اللجنة اليهودية الأمريكية وهو في أوائل الثلاثينات من عمره، ونما معها ليصبحا معاً من أهم علامات تيار المحافظين الجدد الفكرية، ويقول بودهوريتز "إن ظهور الجامعات الأمريكية وانتشارها بالشكل الراهن أضعفا من دور الثقافة والمثقفين الأميركيين، وذلك بعد أن حولت الجامعات المثقفين إلى موظفين".

الأسوأ من ذلك وجود موظفين فاشلين في صفوف المحافظين الجدد مثل دانيال بايبس، فمنظر استراتيجي كان له دور كبير في صوغ حياة ملايين البشر وتدميرها  لم يكن غير  موظف غبي فاشل عجز عن العثور على عمل جامعي في جامعة أميركية ذات أهمية مما اضطره للبحث عن وظيفة في كليات خاصة بالجيش الأمريكي وإلى إنشاء مركز بحثي خاص به وهو (منبر الشرق الأوسط) ومركزه مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا الأمريكية. ويقول البعض إن المحافظين الجدد يبرعون في إنشاء المراكز البحثية بسبب عجزهم عن إثبات أنفسهم كأساتذة في جامعات ذات وزن. هذا الغبي الفاشل هو من دعا في مقال له إلى وضع العرب السنة في معازل في العراق ( وهو ما تحقق فعلا).

تقترب رؤية المحافظين الجدد لدور المثقف من رؤية غرامشي في"المثقف العضوي"   فهو، كما يرى بودهوريتز، يجب أن" يختلط بالجماهير ورجل الشارع ويشعر بمعاناتهم ويكتب لهم سعياً للفوز بتأييدهم ودعمهم المالي، كما يجب أن يحصل على أمواله من بيع كتاباته ومن المحاضرات التي يلقيها، وهي من دون شك مصادر صعبة وشحيحة للرزق، مصادر تحتم على المثقف النزول لرجل الشارع والحديث على مستواه، كما تحتم عليه المعاناة وهي من شروط الإبداع، وتربطه بالجماهير وتوعيه بحاجاتهم وهي من المتطلبات الرئيسية لدور المثقف السياسي الذي ينبغي عليه التقرب من السلطة ورجالها والسعي لإقناعهم بأفكاره على أمل العمل معهم بما يمكنه من تطوير أفكاره السياسية وتطبيقها واختبار صحتها للعودة مرة أخرى بعد انقضاء فترة خدمته السياسية إلى معترك الحياة الثقافية ليكتب من جديد ويعرض أفكاره على الجماهير في انتظار فرصة جديدة للتجربة السياسية. لنلاحظ هنا كيف أن الجماهير عندهم هي من يملك سلطة المال !

أما الأكاديمي أو الأستاذ الجامعي، في بعض صوره الحالية "فقد تحول إلى خطر على المثقف الأميركي – كما يرى بودهوريتز – لأن أستاذ الجامعة تحول إلى موظف حريص على إرضاء رؤسائه من خلال الكتابة في مواضيع شديدة التخصص لا يفهمها سوى أساتذته إن فهموها، كما بات معزولاً يكتفي بتأدية الحد الأدنى من متطلبات وظيفته التي تمنحه راتبه الشهري. "هنا يمكن التساؤل كم مثقفا عربيا فقد وظيفته الجامعية أو الصحافية ورمي به في الشارع ، وهو من المحظوطين الذين لم تتسع لهم الزنازين والقبور".

مع حركية المجتمع الأميركي وديمقراطيته إلا أن الاتهامات تساق للمحافظين الجدد "بالانقلاب على مبادئهم وأفكارهم الأصلية وسوء فهم هذه الأفكار وتطبيقاتها المحتملة"، وهو اتهام يأتي من داخل التيار نفسه "مثل  ما ظهر بقوة في كتابات فرانسيس فوكوياما كاتب العلاقات الدولية الأميركي المعروف وأحد رموز تيار المحافظين الجدد الفكرية والذي أعلن، بحسب البيومي، انقلابه الفكري عليهم في كتابه (أمريكا على مفترق طرق) الصادر في 2006، حيث رأى فوكوياما "أن الجيل الراهن من المحافظين الجدد لم يحافظ على التيار أو على أفكار الجيل الأول التي ركزت على رفض سياسات القوى الدولية الشمولية المتطرفة كألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي الشيوعي، كما رفض الجيل الأول الهندسة الاجتماعية، وعابوا على الدول الشمولية التي تزعم القدرة على بناء المجتمعات والدول الأخرى، ومع ذلك دفع الجيل الراهن من المحافظين الجدد أميركا تحت قيادتهم إلى أن تكون واحدة من تلك الدول الشمولية المتطرفة الساعية لبناء دولة أخرى، كما حدث في حرب العراق، وبذلك يصبح المحافظون الجدد مثقفين غير أوفياء لأساتذتهم أو آبائهم المفكرين".

بعد كل ما حصل في العراق على يد مثقفين كهؤلاء، وما حصل في غير بلد عربي  يبدو من الأنسب للمثقف أن يظل على مسافة من السلطة، وينحاز إلى قضايا عادلة من دون التورط مباشرة بلعبة السلطة لينأى عنها خير لهما.

abuhilala@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »و مين يصرف عليه؟! (عباد)

    الأحد 1 حزيران / يونيو 2008.
    اولا احب ان أسأل ان كان ثمة تعريف للمثقف؟
    هل هو الشخص الذي لديه الكثير من المعلومات؟ هل هو الشخص الذي يكتب او يتكلم كثيرا في الاعلام او الشخص الذي يجيد الادب و الكتابة؟
    ام انه الشخص صاحب رؤية معينة للاوضاع يسعى للاقناع برؤيته و توضيحها للناس و للسلطة ان امكن؟
    في الوطن العربي اصبح كل كاتب مثقف بغض النظر عن الجهة التي تدفع. لذلك تجد ان لكل دولة موظفيها المنتشرين -القابضين طبعا- من المثقفين. بل في الدولة نفسها تجد لبعض المؤسسات و احيانا الشخصيات طاقم من المثقفين على قائمة الرواتب "قدر لي ان ارى احداها في مؤسسة صحية".
    أحد قيادات المعارضة عاتب يوما امامي احد الكتاب الساخرين فقال نريد ان نرى كتابات "فلان" ايام زمان. اجابه الكاتب بالحرف :"انا الان موظف في صحيفة الحكومه و بدي اصرف على عيلتي. انا لما انحبست كذا شهر مين من المعارضة وقف معي؟!"
    حينها ادركت معنى المثقف في الوطن العربي!!