مؤشرات تغير السياسة الخارجية الفرنسية

تم نشره في السبت 31 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

حققت فرنسا ما يشبه اختراقاً في علاقتها بمجمل الشأن الفلسطيني، باتصالاتها بحركة حماس الذي كشفت عنه صحيفة لوفيجارو الفرنسية، وأكده وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير يوم 19 ايار (مايو)، على الرغم من التراجعات التي اتسم بها الموقف الفرنسي فيما بعد. والحقيقة أن الشهور القليلة الماضية قد شهدت عدداً من المؤشرات التي يمكن أن تُفهم على أنها إرهاصات لتغير محتمل في سياسة فرنسا الخارجية، وهي مرتبطة بقضايا عربية. وتحتل قضية الاتصال بحماس موقعاً مهماً فيها بالطبع.

لقد بدت الاتصالات مُستغربة بشكل عام، ففرنسا في عهد ساركوزي أضحت أكثر ميلاً إلى الالتزام بخط الولايات المتحدة التي تتخذ موقفاً متشدداً تجاه حركة حماس، وترفض كل صيغة للحوار معها، كذلك فإن ساركوزي عُرف منذ توليه منصبه الرئاسي، وحتى قبله، بميله الشديد إلى إسرائيل والإعجاب بها، خلافاً لسابقيه من الرؤساء الفرنسيين الذين اتخذوا مواقف متوازنة تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي، بل إن أرييل شارون اتهم فرنسا قبل سنوات، خلال رئاسة جاك شيراك، بالعداء للسامية. كذلك فإن تصنيف الاتحاد الأوروبي لحماس باعتبارها منظمة إرهابية منذ عام 2003، يجعل اتصالات فرنسا بها من قبيل "المحرمات السياسية".

وحسب ما هو منشور، فقد التقى الدبلوماسي "إيف أوبان دي لا ميسوزيير"، السفير الفرنسي السابق لدى العراق، محمود الزهار وإسماعيل هنية في شهرنيسان (إبريل)، وعقد معهما جلسات مباحثات، وأبلغهما بأن على حماس أن تحاول الاقتراب من الشروط الغربية، وهي الاعتراف بإسرائيل ووقف العنف والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة مع الدولة العبرية، ليكون ممكنا فتح حوار معها. وقال الدبلوماسي الفرنسي إن حماس أبدت استعداداً لقبول دولة فلسطينية وفقاً لحدود عام 1967، وهو اعتراف غير مباشر بإسرائيل، كذلك أبدت الحركة استعداداً لوقف العمليات الانتحارية.

وقال كوشنير إن الاتصالات بين فرنسا وحماس قائمة منذ عده أشهر، وبرَّرها بقوله إنه "يجب أن يكون لدينا القدرة على الحديث إذا أردنا أن نقوم بدور"، مؤكداً أنها "اتصالات"، وليست "علاقات". وكما هو متوقع، فإن الولايات المتحدة انتقدت التحرك الفرنسي، وقالت إن "إجراء محادثات مع حماس ليس أمراً حكيماً أو مناسباً"، وإسرائيل "طلبت إيضاحات من فرنسا"، والدنمارك حذرت فرنسا من أي مبادرة أحادية في الشرق الأوسط، خلال فترة ترؤسها للاتحاد الأوروبي التي تبدأ في تموز (يوليو) المقبل، لأنها "يجب أن تتحدث باسم الدول السبعة والعشرين وليس باسمها هي".

وسرعان ما صدرت تأكيدات من الإليزيه على أن موقف فرنسا لم يتغير، وأن فرنسا متمسكة بشروط اللجنة الرباعية بالاعتراف بإسرائيل. وخلال زيارة ساركوزي لأنجولا بعد ذلك بأيام قال مسؤول فرنسي كبير: "لا اتصالات رسمية ولا شبه رسمية... لا حوار سياسياً بين فرنسا وحماس... لتكن الأمور واضحة جداً. لا يوجد موفدون... إن موظفاً متقاعداً أجرى اتصالات مع حماس وهو غير مفوض من أي ممثل فرنسي رسمي".

أيا كان الوضع، فإن هذه "الاتصالات" جديرة بإثارة سؤال حول تطورات ممكنة في التعاطي مع قضايا المنطقة، تعيد فرنسا إلى سابق موقفها المغاير لموقف الولايات المتحدة. فعلى الرغم من لهجة التشديد على نفي وجود "علاقات" بين فرنسا وحماس، وعلى أن الاتصالات أجراها "موظف متقاعد" لا يمثل إلا نفسه، فإن الأمر المهم الذي أكد عليه دومينيك مويزي، الباحث بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، هو أهمية "الإفصاح عن المحادثات" وليس المحادثات بحد ذاتها. والصحيفة التي نشرت الخبر- لوفيجارو- معروفة بأنها مقربة من الرئيس الفرنسي، ويبدو أنه كان هناك ما يشبه موافقة رسمية على تمرير هذا الخبر، إضافة إلى أن رد الفعل الأولي من وزير الخارجية الفرنسي كان أخف كثيراً مما تلاه- ولو من جهة الألفاظ التي استخدمها- من الردود الرسمية "المتشددة" في الأيام التالية. ربما يمكن القول- إذن- إن هناك رسالة فرنسية ما قد وصلت، على أي حال، وأن التشديد على النفي لم يلغ هذه الرسالة.

في السياق ذاته، فإن كوشنير أقدم على انتقاد إسرائيل بعد ذلك بأيام، في الثالث والعشرين من مايو، خلال مؤتمر حول الاستثمار عقد في مدينة بيت لحم، إذ قال إن "سياسة الاستيطان هي العائق الرئيسي أمام عملية السلام، وأمام التنمية الاقتصادية الفلسطينية"، وإن "إسرائيل تستطيع تخفيف القيود على انتقال الفلسطينيين من دون تعريض أمنها للخطر سواء في الضفة الغربية أو في القدس الشرقية"، وأنه "لا يرى مبرراً لاستمرار إغلاق غرفة التجارة وغيرها من المؤسسات الفلسطينية".

وتسعى فرنسا إلى تجاوز الهوة التي تمر بها العلاقات السورية الفرنسية، فقد أشادت فرنسا بـ"الدور الإيجابي" الذي لعبته سورية في اتفاق الدوحة الذي أنجز تسوية بين فرقاء لبنان بعد أزمة عاصفة، وأن "سورية قد لعبت دوراً إيجابياً فيه"، وقال مسؤولون فرنسيون إنهم يعتقدون أن "العلاقات بين البلدين سوف تُستأنف على مستوى عال في المرحلة المقبلة". ويمكن تقدير المسافة التي قطعتها العلاقات السورية- الفرنسية، والموقف الفرنسي من إسرائيل، بالعودة إلى تصريح لكوشنير نفسه في أيلول (سبتمبر) 2007، على أثر غارة إسرائيلية على سورية قال فيه: "إذا كان صحيحاً، كما يُعتقد الآن أن إسرائيل قصفت شحنة أسلحة كانت تُنقل عبر سورية إلى حزب الله، يمكننا أن نفهم الدوافع". ومن الواضح أن هذا الموقف المنحاز انحيازاً فجاً وأعمى إلى إسرائيل، قد تعرض لتغيرات كبيرة تبدو في مضمون التصريحات الأخيرة.

شيء قريب من هذا يمكن استنتاجه بمعرفة موقف فرنسا من الأزمة اللبنانية الأخيرة، والذي غاب في زحام المواقف وضجيجها في تلك الفترة. فقد كان بيان وزارة الخارجية الفرنسية شديد الهدوء، وجاء في البيان أن الوضع في لبنان "خطير" وأن المسؤولين الفرنسيين يساورهم "القلق الشديد بسبب معارك الأيام الماضية في بيروت"، وأن الحرب الأهلية في لبنان أثبتت أنه "ليس هناك طائفة تستطيع الانتصار على الطوائف الأخرى". ودعا البيان "الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة" إلى "التحلي بضبط النفس والتصرف بمسؤولية". وعلى الشاكلة نفسها جاءت تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون. وحتى بيان الرئيس ساركوزي، الذي وصف بأنه "أقوى" من بيانات رئيس وزرائه ووزير خارجيته، حرص على "إدانة الأعمال المسلحة وكل من بادر إليها"، من غير أن يحدد طرفاً بعينه، أو يشير صراحة إلى قوى المعارضة.

ربما يكون العنصر الأهم في الاتجاه نحو تغيير السياسة الخارجية لفرنسا، هو ما يواجهه ساركوزي من تراجع لأسهمه وتدن لشعبيته، بعد فوزه الكبير بالرئاسة قبل عام واحد. فحسب استطلاع للرأي لصحيفة لوكسبريس الفرنسية، وصلت شعبية الرئيس الفرنسي إلى 31% فقط، وبلغت نسبة الذين لديهم رأي سيء في الرئيس 64%. وقد ظهرت نتائج ذلك التراجع واضحة في خسارة حزبه للانتخابات المحلية في مارس 2008.

وعلى الرغم من أن أسباب هذا التراجع في معظمها داخلية، وتتعلق بالمصاعب الاقتصادية التي تواجهها فرنسا، وعجز ساركوزي عن إجراء الإصلاحات التي وعد بها، وحياته الشخصية الصاخبة، وميله إلى البذخ والاستعراض، وعصبيته وزلات لسانه المتكررة، على الرغم من ذلك فإن عدم الرضا عن سياسة فرنسا الخارجية كان واضحاً، إذ عبر عنه نحو 65% من الفرنسيين، حسب استطلاعات الرأي التي أجريت بهذا الصدد.

كذلك فإن صورة "حليف الولايات المتحدة" لم تحقق نتائج مرضية لساركوزي، إن لم تساهم في تدني شعبيته، خاصة وقد أرسل قوات فرنسية إلى أفغانستان في خطوة لم تكن محل رضا من الفرنسيين. وربما كانت تجربة "توني بلير" حاضرة في ذهن ساركوزي وهو يحاول إعادة النظر في سياسته الخارجية. وفي حالة توني بلير على وجه الخصوص، فإن الانتعاش الاقتصادي الذي حققه لبريطانيا خلال حكمه لم يمنع تدهور شعبيته، وخروجه غير الكريم من منصبه. وبالطبع فإن ساركوزي الذي يواجه مشكلات اقتصادية عميقة، سيواجه تأثيرات أفدح من جراء صورة "الحليف الأميركي". وعلى حد قول السياسي والمحلل الأميركي البارز باتريك بوكانان فإنه "لأمر خطير أن تكون عدوا للولايات المتحدة، ولكنه أمر قاتل أن تكون صديقا لها".

الحقيقة أن التغير في سياسة فرنسا يبدو طفيفاً إلى درجة أنه لم يثر اهتماما كبيرا حتى هذه اللحظة، لكن مظاهر التحول التي تعرض لها هذا المقال لا تخلو من دلالات. وتبقى الخطوة الأهم هي القدرة على إدارة هذا التغير عربياً، واستثماره في عالم تبدو فيه القضايا العربية وقد انفض عنها كل أنصارها.

باحثة سياسية مصرية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ساركوزي تراحع عن رهانه على واشنطن (د. أحمد عزم)

    السبت 31 أيار / مايو 2008.
    باعتقادي أنّ أهم ما بنت فرنسا سياستها الخارجية عليه في بداية عهد ساركوزي هي التحول من الدفاع عن المنظمات الدولية والأمم المتحدة، كوسيلة لمعالجة الأزمات العالمية المختلفة، وهو ما كان عليه موقف فرنسا في عهد شيراك،حيث كانت فرنسا تتصرف مدركة أنّها قد تكون دولة كبرى، ولكنها ليست دولة عظمى، فهي لا تستطيع منافسة أو مواجهة الولايات المتحدة، ولا تستطيع الدخول في استقطاب مع واشنطن، بسبب تفاوت القوة، ولكن الإصرار على الشرعية الدولية، ممثلة كانت تمثل آلية العمل الفرنسية، لمحاولة تقليص حجم النفوذ الأميركي العالمي، فكانت "الشرعية الدولية" أداة فرنسية لمواجهة التفرد الأميركي. بالعكس من ذلك حاول ساركوزي، استبدال هدف مواجهة واشنطن، بالاصطفاف معها. ولكن اتضح له لاحقا أنّ جميع من يتحالف مع واشنطن في عهد بوش، يراهن على حصان خاسر.
    وباريس في بداية عهد ساركوزي لم تكن ترفض السياسات أحادية الجانب، ولا تصر على دور المنظمات الدولية، ولكن اتضح أنّه لا يوجد مجال حتى لتحرك أحادي الجانب بالقوة العسكرية لعدم أهلية واشنطن لذلك، بسبب ورطتها العسكرية والأمر ذاته بالنسبة لبريطانيا، والخلاف على نشر القوات في أفغانستان خير دليل. وقد توطدت العلاقات الفرنسية العربية بفعل عدد من الاتفاقيات العسكرية، والاتفاقات في مجال الطاقة النووية، مما جعل تبني سياسة فرنسية عدائية للعرب أكثر صعوبة.
    سياسات فرنسا الحالية تعبر عن نزول ساركوزي من طموحه العالي لنظام دولي لفرنسا دور قيادي فيه، بفضل تحالفها مع واشنطن، ونزل ساركوزي للأرض، أي للواقع ومن التفكير بمجمل النظام الدولي إلى مجرد إدارة ملفات متفرقة. وهذا يعني أن واشنطن تفتقر لفرنسا حليفا بديلا لبريطانيا التي تغيرت سياستها بصعود جوردون براون للسلطة. ويعني تأكيد أننا في عالم بلا أقطاب وبلا استقطاب وبقدر قليل جدا من التحالفات الدولية.