أيار 1968

تم نشره في الخميس 29 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

كنا على مقاعد الدراسة في الجامعة الأردنية خلال ذلك الشهر الربيعي حينما داهمتنا ثورة الطلاب في فرنسا. لم تصدمنا الأحداث المتسارعة التي كادت تقلب فرنسا رأساً على عقب، بل جاءت بمثابة هدية مفاجئة لنا، نحن الذين كانت لدينا نسختنا الخاصة من "الثورة الطلابية"، والتي حاولنا من خلالها حينذاك، ربط نقدنا الصارم للنظام التعليمي ومطالبنا النقابية الطلابية بالتحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الشامل. وكانت النقطة المركزية في ذلك هو الربط ما بين "التعليم والانتاج".

لم نكن وحدنا في الجامعة الأردنية (حين كان عدد طلبتها لا يتجاوزون الألفي طالب) الذين اعتقدوا بقدرة الطلبة على إحداث التغيير، بل والتجرؤ على التنظير لدور طليعي للطلبة في إحداث التغيير. فقد انتعشت بعيد هزيمة حزيران 1967 مباشرة، حركات الطلبة في مختلف العواصم العربية، من القاهرة إلى الرباط والدار البيضاء إلى بيروت، ولم تنظر هذه الى نفسها باعتبارها مجرد حركات مطلبية ونقابية للطلبة، وإنما فوق ذلك (والأصح قبل ذلك)، باعتبارها حركات لتحرير المجتمعات العربية من ذل الهزيمة الحزيرانية، ولتعبئتها سياسياً وثقافياً للرد على الهزيمة بالتغيير الاجتماعي والسياسي الجذري. وحينها غنى الشيخ إمام أغنيته الشهيرة لطلبة مصر: "رجع التلامذة للجد تاني"! وفيما يخصنا لم يكن عبثاً أن الاسم الرديف الذي اخترناه حينها لتنظيمنا الطلابي هو "جبهة النضال الطلابي"، إلى جانب الاسم الرسمي الذي اعتقدناه رتيباً وتقليدياً، وهو "الاتحاد الوطني لطلبة الأردن".

وعودة إلى ثورة طلبة باريس، لنشير إلى أن الديغولية كانت قد دخلت حينها في أزمة، وكان الانفاق الحكومي الكبير على قضايا التسلح، وتحديداً على التجارب النووية قد أفضى إلى تقليص الانفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية والتعليم. وقد تضافرت هذه الأسباب مع رفض الطلبة وقطاعات واسعة من الشعب لأي تورط جديد لفرنسا في حرب فيتنام، والتي كانت الولايات المتحدة قد بدأت تغرق في وحلها. وخلق هذا كله الأساس الموضوعي لنشوء جماعات طلابية ثورية في الجامعات الفرنسية، ممثلة في حركة 22 آذار/ مارس، التي وضعت في مقدمة مطالبها: إنفاقا أكبر على التعليم وعلى تحديث مناهج التعليم.

بدأت تظاهرات الطلبة أولاً في الضواحي الصناعية من باريس، في نانتير، في الثاني من أيار لتنتقل في اليوم التالي إلى الضفة الشمالية منها. وأدى قمع رجال البوليس الوحشي للمتظاهرين إلى تحول الاحتجاجات إلى عصيانات وتمردات واسعة، ما أدى إلى تعليق الدراسة في جامعة السربون والجامعات الفرنسية الأخرى.

ولم تلبث أن اطلقت ثورة الطلاب شرارة الاحتجاج السياسي الأوسع نطاقاً في عموم فرنسا. فقد قررت نقابات العمال الانضمام إلى حركة الاحتجاج الطلابية، وتبعها المثقفون والفنانون وأصحاب الياقات البيضاء، وطرح الجميع مطالبهم وشكاواهم من السياسات الحكومية.

ومن ضمن من أبرزتهم الثورة الطلابية الباريسية كأحد قادتها، شاب الماني كان يدرس علم الاجتماع في جامعة نانتير هو دانيال كوهن بندت، وسُمي بـ "داني الأحمر"، بالنظر إلى طروحاته الممثلة للجناح اليساري من حركة 22 مارس. وهكذا اشتهر "داني الأحمر" وأصبح رمزاً لهذه الثورة، خاصة جراء دعوته للطلبة إلى توحيد قواهم مع العمال وإلى شن اضراب عام من جانب الجماعات التي تمثل اليسار يوم 13 أيار 1968. لكن لم يلبث ان مُنِع "داني الأحمر" من العودة إلى فرنسا، بعد مغادرته لها يوم 22 أيار، وعندما عاد سراً في أواخر الشهر نفسه، كانت الأحداث قد تجاوزته سريعاً، ولم يعد يلعب مرة أخرى ادواراً مهمة في العصيان الطلابي.

وعلى اثر الاضطرابات العنيفة التي غطت باريس يومي 10 و11 أيار، بدأ عشرة ملايين عامل فرنسي الاضراب العام الأطول في تاريخ فرنسا، مهددين بذلك مصير "الجمهورية الخامسة".

وفي غمرة الشلل الذي أصاب فرنسا جراء الاضراب العام، والفوضى التي عمت، غادر الجنرال ديغول في 29 أيار باريس إلى بادن بادن في المانيا الغربية، حيث تتواجد قاعدة للقوات الفرنسية هناك، وتردد انه كان عازماً على مغادرة السلطة وعدم العودة ثانية لباريس،  لكن مستشاريه اقنعوه بالعودة لمواجهة الأزمة. وهكذا عاد ليلقي، عبر الاذاعة، يوم 30 أيار، خطاباً حمل رسالة تحذير للفرنسيين من مغبة استمرار الاضطرابات، وهو ما دفع بأعداد كبيرة من الفرنسيين إلى النزول للشوارع، يتقدمهم قادة الحكومة والحزب الديغولي. لكن تظاهرات الفرنسيين كانت في الواقع تنشد عودة الاستقرار، أكثر مما كانت دعماً لسلطته المزعزعة.

على ان أهم ما جاء في خطاب ديغول هو دعوته لانتخابات برلمانية فورية للجمعية العامة،  ومنحه زيادات ملموسة على رواتب العمال، ووعده بالقيام بإصلاحات جدية لنظام التعليم. وقد استجابت النقابات لعرض ديغول بأن حلت الاضراب، ودعت العمال لاستئناف العمل، وانفك بذلك التحالف الذي قام بين العمال والطلاب، وانتهى عصيان الطلبة على الأرض في أواسط حزيران.

لكن الأثر الذي تركه الطلاب في تاريخ فرنسا لم ينمح ابداً، فقد وضع نهاية لحقبة الجنرال ديغول، بطل فرنسا القومي في معركة التحرير من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، والرئيس الأبرز الذي كرس استقلالية فرنسا عن الولايات المتحدة والحلف الأطلسي وحررها من وصايتهما النووية.

رمزت انتفاضة طلبة باريس في أيار 1968 إلى حقبة تاريخية فاصلة، لعب فيها الطلبة والشباب دور المحرض والمحرك للأحداث في القارتين الأوروبية والأميركية. فقد انتقلت "عدوى" ثورات الطلبة من فرنسا إلى جاراتها الأوروبية ولا سيما المانيا. أما في الولايات المتحدة فقد شكل الشباب القوة المحركة للحركات الجماهيرية المناهضة لحرب فيتنام، وهي الحركات التي اجبرت الادارة الأميركية في نهاية الأمر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المفاوضين الفيتناميين، وإلى الانسحاب المرتجل والمذل من سايغون، عاصمة جنوب فيتنام في أواسط السبعينات من القرن الماضي.

أحدثت ثورة طلاب باريس وما أعقبها من حركات وانتفاضات مماثلة في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية ومناطق أخرى في العالم، انقلابات ثورية في الثقافة والفنون والموسيقى، ناهيك عن تغييرها الجذري للأذواق والموضة وأنماط الحياة لدى أجيال لاحقة من الشباب. وقد حفزت هذه الأدوار التي لعبها الشباب في تلك المرحلة على مراجعة المسلمات النظرية التي كانت تربط الثورات والحركات الاجتماعية بالصراع الطبقي، فإذا بالطلبة والشباب الذين لا يشكلون بحد ذاتهم طبقة، ولا حتى فئة اجتماعية متجانسة، يحركون الأحداث ويقودون الشارع، ويجبرون المجتمعات على اعادة النظر في كل ما استقرت عليه من مفاهيم ومعتقدات وقيم راسخة، وهكذا أصبح العالم من بعد هذه الثورات غير العالم الذي كان عليه قبلها.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق