في مراجعة السياسة الخارجية

تم نشره في الخميس 29 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

كثير من المطالبين بمراجعة السياسة الخارجية الأردنية يقعون تحت انطباع خاطئ مفاده أن السياسة الخارجية الأردنية معطى ثابت ولا تتم مراجعتها على الإطلاق. ومطالبة البعض، وليس الجميع، بضرورة تغيير السياسة الخارجية الأردنية تقع في باب "مش قلنالكم من أول" أو تقع في باب التشفي. تناقشت قبل مدة قصيرة مع باحث، كان المفروض أنه مختص بالشأن الاستراتيجي، واستخدم نفس العبارات! بطبيعة الحال فهمه كان أقرب الى التفضيلات الايدولوجية منه الى التحليل المعرفي. وبالتالي كان النقاش عقيما إذ أن اختلاط الايدولوجيا بالتحليل العلمي ينتج تضليلا كبيرا.

هناك نقطتان جديرتان بالاهتمام. أولا، أن السياسة الأردنية تتم مراجعتها من أعلى مستوى في الأردن في كل منعطف استراتيجي وتاريخي. والأردن لا ينفرد في هذه الميزة إذ أن كل دولة، بالضرورة، تقوم بذلك. والدولة التي تفشل في ذلك تدفع الثمن الباهظ. النقطة الثانية هي أنه من الضروري التمييز بين المطالبات بتغيير أهداف السياسة الخارجية وبين المطالبات بمراجعة وسائل تحقيق هذه الأهداف.

أعتقد أن أهداف السياسة الخارجية الأردنية التي تتمحور حول خلق نظام إقليمي يسمح للجميع العيش بسلام ويساعد على الازدهار هو هدف جدير بأن تواظب الدبلوماسية الأردنية على تحقيقه. وهدف الأردن بأن حل الدولتين هو أفضل ما يمكن أن يتحقق في ظل موازين القوى الإقليمية السائدة هو هدف آخر لا يمكن للأردن مراجعته إلا إذا كان المطلوب العبث في هوية الأردن والتوازنات الداخلية الحالية التي هي الضامن لأمنه الوطني. وبالتالي، موقف الأردن مع التيار الفلسطيني المطالب بحل الدولتين هو صحيح وإن كان لا يعني استعداء التيار الفلسطيني الآخر الذي لا يريد سلاما وإنما هدنة بصرف النظر عن فرص قيام دولة فلسطينية.

وموقف الأردن مما يجري في لبنان يصب في مصلحة الأردن التي تعارض التشدد وترى في الاختراق الإيراني مصدر تهديد. والعلاقة الإستراتيجية مع مصر والسعودية هي أيضا صحيحة وليست معادية للآخرين بقدر ما تصب في مصلحة الأردن. وبالتالي لا يمكن المطالبة بأن يأخذ الأردن مسافة واحدة من الجميع لأن تلك الأطراف لا تأخذ مسافة واحدة من الجميع. للأردن الحق في الانحياز لمصالحه وبالتالي بناء تحالفاته حسب هذا التصور وغير ذلك يكون هناك مراهقة سياسية.

إذن، أهداف السياسة الخارجية الأردنية ممتازة ويبدو أن هناك حاجة لمراجعة الأدوات وليس الأهداف. فالنجاحات التكتيكية لمحور الممانعة لا يجعل الأردن يعيد النظر في أهدافه أو الارتماء في حضن إيران وقوى التشدد الأخرى التي تستخدم كورقة في الإستراتيجية الإيرانية. وحتى أخذ مسافة عن أميركا وشق طريق ثالث لا يعني تغيير الأهداف أو تغيير النظرة الى مصادر التهديد. فإسرائيل مصدر تهديد أول كما أن إيران هي مصدر تهديد. والأصوات التي تقلل من خطر إيران ما هي إلا نتاج عمى استراتيجي وإخفاق في فهم كيف تبني الدول مفهوم التهديد الناتج عن الاختلال في موازين القوى. والتحالفات التي يقيمها الأردن لم تكن تبعية وإنما توظيف استراتيجي للتشابك بين ما هو دولي وما هو إقليمي لتحقيق أهداف أردنية رسمت باستقلالية.

الدعوة لمراجعة أهداف السياسة الخارجية الأردنية غير جائزة لأنها أنجح سياسات الأردن بالرغم من الإخفاق الإقليمي. فكل المساعدات الخارجية ومشاريع الاستثمار نتجت عن سياسة عقلانية تعتمد المبادرة الايجابية. ولو اتبع الأردن سياسة خارجية طائشة وانفعالية لكنا ندفع ثمنا باهضا يضاف الى التردي الشامل في الأحوال الاقتصادية.

بكلمة، هناك حاجة لخلق خيار آخر في إطار الوسائل وليس في مجال الأهداف. وليس للأردن ذنب إذا ما اقتربت الولايات المتحدة من رؤيته في حل الدولتين. فالأردن بهذا المعنى لا يتماهى مع سياسة أميركا بل يحاول توظيف السياسة الأميركية لتحقيق مصالح الأردن. هناك الكثير من الخلافات بين الأردن وأميركا والذي يتابع الدبلوماسية الأردنية بموضوعية سيرى أن العلاقة ليست علاقة تبعية، كما يحاول البعض هنا تصويرها.

بطبيعة الحال، هناك من يختلف جذريا مع أهداف السياسة الخارجية الرسمية ويرى أن الخلاص هو بالانضمام الى محور الممانعة. وهذا حق لهم، لكن في هذا المجال عليهم الإجابة عن رزمة من التساؤلات التي سأتناولها في مقال قادم.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم؟! (صباح ابو لبدة)

    الخميس 29 أيار / مايو 2008.
    هناك مراجعة ضرورية لكل شيئ وضرورة الانضمام الى حلف ايران لأن المستقبل لهذا الحلف واسرائيل زائلة وكذلك اميركا. وحتى لو خسر الايرانيون ومن معهم فإننا بانضمامنا نريح التاريخ
  • »أبدعت (سالم علي)

    الخميس 29 أيار / مايو 2008.
    أبدعت في التحليل وشكرا على هذه المقالة المعتبرة
  • »لا جديد (البوريني)

    الخميس 29 أيار / مايو 2008.
    أنا بصراحة تعجبني سياسة قطر الخارجية لأنها تتسم بالاحترافية والليونة مع كل الأطراف وذلك يعود عليها بالفائدة مهما كانت نتائج الساحة الاقليمية.. يجب على حكومتنا الرشيدة فعلا مراجعة سياستها الخارجية والاستفادة من الاخطاء السابقة والموازنة بين كل الأطراف في المنطقة..
  • »مراجعة المقالة قبل كل شيء (علاء الفزاع)

    الخميس 29 أيار / مايو 2008.
    من الغريب أن الكاتب توصل إلى نتيجة أن مراجعة أهداف السياسة الأردنية (غير جائزة) كما قال. قرأت المقالة عدة مرات ولم أجد حجة واحدة تدعم هذه النتيجة، سوى أنه اكتفى بسرد تلك الأهداف والتغني بها. يا سيدي الكريم وطننا يستحق منا أن نكون جرئيئن في مراجعة كل شيء، بما فيها الأهداف السياسية. والمراجعة لا تعني التغيير بالضرورة، ولكن إعادة تكوين إجماع وطني. الشيء الوحيد الذي لا يجوز مناقشته هو إيماننا بالأردن كوطن، وفيما عدا ذلك فمن حق المواطنين أن يدلوا بآرائهم.
  • »الأيدلوجيا مكون أساسي (سها نظمي)

    الخميس 29 أيار / مايو 2008.
    الأيدلوجية مكون أساسي في تحديدأهداف السياسة الخارجية، فشكل النظام السياسي له تأثير أساسي في تحديد أهداف السياسة الخارجية والمصلحة الوطنية العليا والتوازنات الداخلية إلخ. فشكل النظام السياسي هو مفهوم أيدلوجي. ففهم النظام الشمولي لمصالحه الخارجية يختلف عن فهم النظام الديقراطي وأيضاً النظام الديني (وهناك الخليط بين هذه الأنظمة). وهذا ما يفسر الدعم الأعمى الأمريكي لإسرائيل، وهذا الخلط ما بين مصلحة أميركا وأمن إسرائيل. أكثر ما يثير السخرية هو محاولة البعض التنظير حول أهداف سياسة الدولة الخارجية منطلقين من نظرة فوقية أساسها أنهم أكثر علمية واستراتيجية من غيرهم. السؤال المهم كيف يتم تحديد أهداف السياسة الخارجية، فمثلاً في إيران من يرسم اليوم أهداف السياسة الخارجية هو المرشد الروحي وينفذها عبر مؤسسة الحرس الثوري ومن كان فيها، في الماضي كانت طبقة التجار تلعب دوراً أساسياً أضمحل مع الزمن.