ياسر أبو هلالة

لنحتفل بالاستقلال بشكل "طبيعي"

تم نشره في الأحد 25 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

 لم نستقل لأننا لا نملك قرارنا الاقتصادي ولا السياسي، أي استقلال هذا ونحن بلد يعيش على المنح والمساعدات والقروض؟ أي استقلال هذا والأقصى السليب يستغيث ولا مغيث؟ أي استقلال وزهاء نصف المواطنين لاجئون ونازحون؟ كيف نحتفل ولإسرائيل تعلو راية في الرابية؟ هذا كلام سخيف. وستجد من يصرخ به. ولا يوازيه سخافة إلا كلام من قبيل البلد الذي حقق معجزة اقتصادية! وصاحب الدور المحوري في العالم والإقليم..

يحتفلون باستقلالهم في كل الدنيا بشكل "طبيعي". والبلدان "غير الطبيعية" هي التي يكون لديها مشكلة في ذكرى استقلالها. لا يوجد بلد بقوة أميركا في تاريخ البشرية، ومع ذلك يجدون في استقلالهم مناسبة تستحق الحفاوة. ولا يوجد بلد أضعف من لبنان عربيا، ومع ذلك تجدهم يحتفون بيومهم.

ليس قبولا بـ"سايكس بيكو"، فقبلها وفي دولة بني عثمان كان ثمة خصوصيات يحتفى بها، تستوي في ذاك الحواضر والمدن مع الأرياف والعشائر والبوادي. والانتماء الواسع بأفق إنساني لا يلغي الخصوصيات الصغرى. على العكس تماما لا يتم إلا بالاعتراف بها.

أستغرب من روح عدائية تجاه المكان تسكن بعض المرضى. فهل يكره الإنسان مكانا أقام فيه؟ ينشأ إيلاف بين الناس والأشياء. حتى القبور تحب من سكنها من الأحبة تماما كما تحب من سكن ديار ليلى. تلك العدائية تجعل من يوم الاستقلال مناسبة كريهة تذكر بهذا البلد.

لا يعالج مرض كراهية البلد وعدم الانتماء بمرض العنصرية والشوفينية وتضخم الذات والتعالي على الناس. من جهل شيئا عاداه ربما لا يعرفون بلدهم كفاية. وتجد من يقول إننا بلد بلا تاريخ. أو أن تاريخه هو التآمر والتخاذل. لا يلقن التاريخ بمناهج تدريسية بائسة ولا بإعلام غبي. يعاد الاعتبار لدرس التاريخ أولا بمعنى أن يهتم الطالب بتاريخ البشر وتاريخ الأمة وتاريخ القطر. وأن يحب التنقيب والغوص في الأعماق لا أن "يبصم" في يوم الامتحان.

تدين البشرية لهذه البقعة من الأرض بالكثير، منها مر خاتم الأنبياء في رحلة الشتاء والصيف وهي من إيلاف قريش. وعلى شاطئ نهرها تعمد المسيح وعلى نيبو وقف موسى ونظر المرة الأخيرة إلى الأرض المقدسة. فيها نشأ الحرف العربي تحت ظلال "عجيبة البتراء" وهو الحرف الذي تشرف بالنص القرآني المقدس. وعلى جبل التحكيم في "أذرح" كانت انطلاقة حكم بني أمية، وليس بعيدا عنه في الحميمة كان انطلاق الدعوة العباسية. هل يكفي هذا؟

في بداية تأسيس الإمارة كانت موازنتها كاملة من البريطانيين، وفي غضون إعلان الاستقلال عقدت معاهدة التحالف مع بريطانيا التي منحت مساعدات بريطانية للأردن بلغت في عام 1957 عشرة ملايين جنيه يذهب أكثرها لحساب الجيش العربي الذي يقوده جلوب باشا. وكانت تلك المساعدات تشكل أكثر من نصف الموازنة. وعندما ألغيت المعاهدة عام 57 عوضت المساعدات بـ12 مليونا 5 من كل من مصر والسعودية و2.5 من مصر.

ظل البلد حتى في فترة الانتداب يعتبر نفسه جزءا من محيطه، بلا تعال. فهو صنيعة الثورة العربية الكبرى. التي امتدت إلى عواصم المشرق، ولذا نص دستوره على أنه جزء من الأمة العربية. وأنجز أنجح تجربة وحدة عربية عندما توحدت الضفتان، وخلافا للوحدة المصرية السورية لم يضح بالأحزاب ومجلس النواب، على العكس قدم واحدا من أفضل المجالس النيابية العربية التي تمثل فيها العشائريون والقوميون والإخوان المسلمون والشيوعيون.

وقبل الوحدة حرر القدس القديمة وقدم شهداء وبطولات. ومر بخيبات وانتصارات. ولا خيبة كانت أقسى من احتلال ضفته الغربية وتشريد أهلها. إلا أن ذلك لا يعني ألا نحتفل.

yaser.hilala@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل عام وأنتم بخير (باسل ملكاوي)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    كل عام والاردن والأردنيين بألف خير...
    كلنا فداء الأردن العزيز الغالي
    نصون استقلالنا بدماءنا
  • »كل عام والأردن بخير (سمير)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    شكرا استاذ ياسرعلى هذا المقال الرائع
    كل عام وأنت بخير يا وطني الحبيب، نفديك بارواحنا،ونحميك برموش عيوننا، والله مستعدين لنفديه بالغالي والرخيص
  • »صدقت (محمد علي)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    لا تنس ان أرضها تشرفت بمعارك حاسمة في التاريخ الاسلامي
    معرمة اليرموك وحطين ومؤتة
  • »مقال رائع (سماء)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    رائع رائع رائع
    شكرا شكرا شكرا
  • »مزايدات حب الوطن في ذكرى الاستقلال ! (ابن البلد)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    مشكلتنا في الاردن أن الجميع يزايد على الجميع في حبه للوطن!! والمشكلة (الأعوص) أن البعض قد جسد الوطن في السياسات الرسمية!!بمعنى من يعارض الحكومة-مثلا- فهو يعارض الوطن و (يكره) الوطن!! بل و(يتآمر) على الوطن وله (اجندات) خارجية!! وأمامن يقف في صف الحكومة فهو ابن البلد الاصيل وتتجلى فيه كل صفات الوطنية و الانتماء حتى لو كان غارقا لاذنيه بالفساد وأشياء اخرى!!..
    سيدي (أبو هلالة)أختلف معك في ماقلته من أن (علاج) ما أسميته (كره الوطن وعدم الانتماء) هو بدراسة تاريخ الوطن بطريقة صحيحة!! أخي الحبيب ان من وصفته بأنه (يكره الوطن و ليس عنده انتماء) في الغالب يكره نفسه ايضا و يكره ابناءه و بيته و حياته كلها..أخي (ابو هلالة) اما آن لنا ان نعلم أن الفقر و الفساد والكبت السياسي و الاقتصادي والشعور بالظلم وغياب العدالة كفيل بأن يجعل الانسان يكره نفسه وحياته وليس فقط وطنه؟؟!!والا بالله عليك كيف نجد دولة كأمريكا تتكون من خليط من كل الاجناس و الاعراق استطاعت ان تزرع الانتماء لهافي قلب كل مواطن امريكي؟؟ سيدي لنطلب من الوطن اولا أن يحب أبناءه قبل أن نطالبهم بحبه ..
    وأقتبس هنا من مقال احدهم:
    (إن وطن بلاكرامة هو الغُربة , وكرامة بغُربة , هي الوطن !!
    فالإنتماء هو الكرامة والحرية والعدالة والمساواة , وهذه المبادئ لاتعترف بهاحكومات أدمنت الفساد والظلم والإستبداد التي إختزلت الوطن في الأرض والنظام الحاكم , وأخرجت الشعب من معادلة الوطن !!)
  • »حيادية (king)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    أخي ياسر سيتهمك كثيرون-كما من قبل-بالخيانة وعدم الولاء للوطن وحبه,وكما يعرف عنك لا تعرف ولاءا الا لله عز وجل.
    لكن لو فكر كل منا بالذي قلته بحيادية وصدق مع الذات والوطن لوافقك على كلامك.
    دعونا نستقل في ذاتنا وتفكيرن و قوتنا قبل ان نستقل بترابنا وماءنا وهواءنا
  • »شكر و تقدير (فادي العبادي)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    لا يسعني إلا أن أقدم لك كل تقدير و أحترام على هذه المقالة الرائعة...و التي كانت كلمة حق بعيدة عن كل مزايدة و مجاملة كما عرفناك دائما استاذ ياسر.
  • »اسقلالنا حريتنا.. (بشيرابوالذهب)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    هنيئا لنا قيادتنا,هنيئا لنا هوائنا,هنيئا لنا حريتنا , هنيئا لنا ديموقراطيتنا , هنيئا لنا امننا ,هنيئا لنا ارضنا,هنيئنا لنا سمائنا, هنيئا لنا كرامتنا, هنيئا لنا دستورنا, هنيئا لنا جيشنا,هنيئنا لنا عزتنا, هنيئا لناعيشنا, هنيئنا لنا سمعتنا,هنيئا لنا فرحنا, هنيئا لنا محبتنا,هنيئا لنا ترابطنا, هنيئا لنا هويتنا,هنيئا لنا مؤسساتنا,.......
  • »البيت هو الأساس (علي البشير)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    كلامك صحيح أستاذ ياسر ولكن أنا أعتقد أن السبب الحقيقي لعدم الانتماء عند البعض لا يكمن فقط في المناهج والاعلام و إن كانت جزءا من المشكله و لكن برأيي المشكله تبدأ من بعض البيوت وما يتم ارضاعه للأطفال من معلومات في سنواتهم الأولي تغذي الروح العدائية تجاه المكان واللتي سرعان ما تشكل قناعه ذاتيه من الصعب أن تتغير.