عندما يستعير "اليمين" خطاب اليسار المتشدد!

تم نشره في الأحد 25 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

من استمع او قرأ خطاب امين عام الجبهة الوطنية الاردنية العين امجد المجالي في المؤتمر التأسيسي للحزب، الاسبوع الماضي، يظن ان المتحدث هو الدكتور يعقوب زيادين، اطال الله في عمره الرمز الشيوعي الاردني، الذي ظل محافظاً على عقيدته وخطابه السياسي, من دون ان يتزحزح عنه بوصة واحدة.

فالخطاب يدعو الى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي واعادة الاعتبار للقطاع العام ووقف الخصخصة والى ضريبة دخل تصاعدية والغاء الاعفاءات الممنوحة للمستثمرين والى اعفاء المواد الاساسية والدواء مع كل الرسوم والضرائب والى وقف بيوعات املاك الدولة.. الخ.

غمض عينك قليلاً تتخيل نفسك تستمع لبيان صادر عن لجنة تنسيق احزاب المعارضة, عندما تجتاحها موجة تشدد عقائدي.

المعلومات المتوفرة عن حزب الحركة الوطنية الاردنية والوثائق الصادرة عنه, لا تشي اننا اما حزب يساري طبقي صارم وطبيعة الحاضرين في المؤتمر التأسيسي، اعضاء ومدعوين، لا تعكس استهداف الحزب للعمال والمرأة والشباب والمثقفين، على العكس تماماً فقد استهدف الحزب الى جانب العلاقات الشخصية والعشائرية للمؤسسين, الوزراء وكبار موظفي الدولة والمتقاعدين المدنيين والعسكريين والوجهاء المحليين واعداداً من المهنيين.

لماذا اذن استعارة الخطاب اليساري المتشدد؟ وهل هذا هو الخطاب السياسي المعتمد للحزب؟

الكلمات التي القيت من زعامات اخرى في الحزب لا تعكس ابداً.. ابداً روحية خطاب الامين العام.

المسألة في تقديري.. تعكس ازمة خطاب تيار "البيروقراطية" السياسي التقليدي بعد ان غادر مواقع السلطة واحتل موقع المعارضة.. فلم ينجح هذا التيار بعد في تشكيل خطابه الخاص, كما لم ينجح بعد في بناء حزبه السياسي الفاعل. ومحاولة العين المجالي ورفاقه محاولة جادة في هذا السياق لكنها محاولة لم تكتمل بعد ولم تستقر فكرياً وسياسياً وتأخذ شكلها وميزتها موقعها في الخارطة السياسية المحلية.

تيار البيروقراطية السياسية، عندما كان في السلطة، كان يعتمد على الخطاب الرسمي ومثقفي السلطة وكتابها, الذين كانوا ينظرون ويبررون ويدافعون عن السلطة اولاً وهم من خلقها.

اما اليوم وبالرغم من ان العديد من المنابر الاعلامية الرسمية تدار من قبل نفس العقليات والمنهج المنحاز للدولة والسلطة بدورها القديم الا ان هذه المنابر لم تعد مُسخّرة تماماً للدفاع عن هذا التيار وخوض معاركه الخاصة في الصراع على المصالح والمراكز.

ان يشكل التيار السياسي كينونته التنظيمية والفكرية والسياسية يتوجب عليه ان يجتذب الى صفوفه المثقفين المؤمنين بفكر وسياسة هذا التيار.. هم وحدهم من يمكن ان يمده بالروح والعزيمة المستقلة. اما الاستعارة السياسية والفكرية, فلا تخدم حزباً ولا تبني قاعدة اجتماعية او شعبية.

صحيح ان الخطاب اليساري المتشدد "يفش الغل" هذه الايام التي تشهد مبارزات في نقد وتجريح التيار الليبرالي وسياسته الاقتصادية. ويضع صاحبه في موقع النقيض والخصم الذي لا تلين له قناة لكنه يكشف عن ازمة بنيوية في اوساط هذا التيار الذي يحاول ان يدافع عن القديم بثوب جديد وبلغة المرحلة وروح العصر.

انها ارهاصات فكرية وتنظيمية, يسعى من خلالها القائمون على تجربة حزب الجبهة الوطنية الاردنية (المحافظ) من اختيار موقعه في صفوف المعارضة السياسية, وهذا من حقه ومن الطبيعي ان تكون مثل هذه المحاولة او اشكال اخرى لم يعلن رسمياً عنها.

ان يعلن تيار البيروقراطية السياسية التقليدية نفسه تياراً معارضاً وان ينحاز للمعارضة حد لبوس خطاب اليسار المتشدد فهو مؤشر على حجم الوضع والضغط الذي تعرض ويتعرض له هذا التيار الذي لا يزال يحتل مكانة مرموقة وقوية في الدولة والمجتمع.

وسوف تشهد الساحة السياسية المحلية, تعبيرات عديدة تعكس هذا الصراع السياسي- الاجتماعي, وتجلياته المختلفة.

المشكلة ان التيار الذي يمسك في تلابيب الحكومات ويقودها التيار الليبرالي لم يشكل حزبه الخاص ولم يبنِ قاعدته الاجتماعية التي يمكن ان تغرسه في المجتمع.

لا يزال هذا التيار اقرب إلى افراد وشرائح اجتماعية فوقية ومؤسسات مدنية محدودة التأثير, لذلك يسهل اصطياد افرادها وقنصهم فرادى.

المعارضة السياسية لن تقتصر مستقبلاً على الاحزاب العقائدية المعروفة.. ستشهد الساحة تعبيرات سياسية معارضة من قوى خرجت او اخرجت من تحالفات الحكم، ومن الطبيعي ان تجد نفسها في خندق المعارضة.

وتيار البيروقراطية السياسية التقليدي, اكبر الخاسرين ولأن الحكم يحتاج الى بيروقراطية بشكل ودور جديد.. تقطع مع الماضي وتتخلى عن دور الزعامة والتحكم في ادارة الدولة وتوزيع الدخل الوطني.. وتنفك عن تحالفاتها التقليدية في المجتمع.

وسوف نشهد تناغماً واضحاً بين هذا النوع من المعارضة والتيار الديني تحديداً الحليف التاريخي لتيار البيروقراطية السياسية التقليدية.. لكن هذا التناغم لن يصل حد التحالف لانه حينئذ يضع اصحاب هذا التيار في خندق "الممانعة" وسيفقدون بهذه الحالة فضائل اعلان التمسك بالدولة وسياساتها.

* نائب وسياسي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحن متعطشون الى ديمقراطية صحبيحة لا أكثر ولا أقل (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    الأخ بسام يتحدث كأنه عندنا في الاردن فئات من الليبراليين ، والعقائديين ، واحزاب معارضة ،ويسار متشدد ،وأحزاب يساريةطبقية والقارئ غير الأردني سيتصور أن بلدنا يسير بنهج ديمقراطي سليم مئة في المئة..
    الحقيقى هو أنه لدينا فقط تيارات بروقرطية معقدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا تتغير سنويا برئيس الوزراء الجديد وبكتب التكليف السامي .فيأتي دولة رئيس الوزراء ،دون أن يحاسب الرئيس السابق وهكذا دواليبك
    نحن متعطشون في الآردن فقط الى دبقراطية .وهذه المسميات التي فاجئنا بها الأستاذ يسام هي اسماء يدون افعال ، وغير موجوده بمعناها الصحيح
  • »اللبراليه الغائبه (احمد الجعافرة)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    (المشكلة ان التيار الذي يمسك في تلابيب الحكومات ويقودها التيار الليبرالي لم يشكل حزبه الخاص ولم يبنِ قاعدته الاجتماعية التي يمكن ان تغرسه في المجتمع) اعتقد ان هذاهو الاشكال الحالي في الوضع السياسي القائم الا وهو ماذكرت بالظبط وهو تشكيل حزب لبرالي يطرح برنامجه الفكري والاقتصادي والسياسي بكل جرأه وفي تلك اللحظه يمكن ان يوجه النقد لبرنامج وليس لاشخاص بحيث يكون من الصعوبه الرد على هذه الاصوات خصوصا اذا لبست لبوس النفاق السياسي