الاتحاد الأوروبي وكيوتو ولعبة الثلاث ورقات

تم نشره في السبت 24 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

مع كل عام يمر تزداد أزمة الاحترار العالمي الوشيكة اقتراباً في الأفق. إن الوقت يمضي سريعاً ولابد من اتخاذ الإجراءات الوقائية الآن. إن ترنيمة الـ"20 – 20 – 20" التي يتغنى بها الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تقليص معدلات انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري لجو الكرة الأرضية بمقدار20% نسبة إلى مستوياتها في العام1990، وزيادة الحصة من مصادر الطاقة المتجددة المستخدمة إلى20% بحلول العام 2020. ولكن أهي خطة قابلة للتحقيق بالفعل؟

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يتمتع بسجل طويل في مناصرة تحركات منع تغير المناخ. ففي العام1994 ألزم الاتحاد الأوروبي نفسه بنسب تخفيض الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري كما أقرها بروتوكول كيوتو الذي صدق عليه الاتحاد في العام2002. ولقد وعدت البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حين كان عددها خمس عشرة دولة بتخفيض الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري بنسبة 8% بحلول العام2010.

تعرضت كل الدول الصناعية التي لم تصدق على بروتوكول كيوتو، وأبرزها الولايات المتحدة، للانتقادات الشديدة، ووصفت بعدم احترام مسؤولياتها البيئية. ولكن أثناء فترة الخمسة عشر عاماً بين 1990 و2005، لم تتمكن البلدان الخمسة عشر من تخفيض معدلات انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري إلا بنسبة 2%، ولقد بات من الواضح الآن أن هذه البلدان الخمسة عشر لن تفي بالتزاماتها طبقاً لبروتوكول كيوتو، إذ إن خمسة منها فقط على المسار الصحيح الذي قد يؤدي بها إلى الوفاء بالتزاماتها. ولن تتمكن البلدان الخمسة عشر من تخفيض معدلات الانبعاث إلا بنسبة4.6% على أفضل تقدير بحلول العام 2010.

لا ينبغي أن نندهش كثيراً إزاء إخفاق البلدان الخمسة عشر في الوفاء بالتزاماتها طبقاً لبروتوكول كيوتو. إلا أن ما يستحق الدهشة حقاً هو نجاح هذه البلدان في تسويق فشلها باعتباره نجاحاً.

في وقت تبني التزام الـ20 – 20 -20 في شاهر آذار/مارس من العام 2007، حظي ذلك القرار بالكثير من التهليل وبيع لعامة الناس باعتباره نجاحاً آخر للسياسة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي في التعامل مع قضية تغير المناخ. واعتبرت أنجيلا ميركيل، رئيسة مجلس الاتحاد الأوروبي آنذاك، ذلك القرار بمثابة "تقدم هائل"، ثم وصفه رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو بأنه "المشروع الأكثر طموحاً على الإطلاق".

ولكن حين اتصل الأمر بتقاسم أعباء تخفيض الانبعاثات الغازية بين البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، اقترحت المفوضية الأوروبية في شهر كانون الثاني/يناير 2008 تغيير عام تحديد نسبة التخفيض من 1990 إلى 2005. الحقيقة أن هذا الموقف ـ والذي تم التصديق عليه باعتباره أساساً للتفاوض أثناء مجلس الاتحاد الأوروبي الأخير ـ يشكل ذريعة للسماح لبعض البلدان الأعضاء بعدم تحمل الأعباء المفروضة عليها طبقاً لاتفاق تقاسم أعباء الوفاء بالالتزامات التي أقرها بروتوكول كيوتو.

والسبب بسيط؛ إذ إن البلدان الاثني عشر التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في العام2004 كانت قد تفوقت على البلدان الخمسة عشر الأصلية في الاتحاد الأوروبي. لم تتفق البلدان الأعضاء الجديدة على هدف جماعي فيما يتصل ببروتوكول كيوتو، إلا أنها في مجموعها من المنتظر إن تنجح في تخفيض الانبعاثات نسبة إلى العام1990 بمقدار20% بحلول العام 2010.

فقد نجحت لاتفيا وليتوانيا واستونيا، على سبيل المثال، في تخفيض معدلات الانبعاث الناتجة عنها في العام2005 بمقدار النصف، نسبة إلى معدلات الانبعاث في العام1990. ونستطيع أن نعزو هذا جزئياً إلى انهيار الصناعات شديدة التلويث للبيئة على النمط السوفييتي القديم. ولكن المفوضية الأوروبية، حين تغير العام الأساسي لمستويات الانبعاث المطلقة من العام1990 إلى العام2005، تبدو وكأنها تحاول أيضاً أن تغطي على فشل البلدان الأعضاء الخمسة عشر، بينما تمرر أعباء تخفيض مفرطة الضخامة إلى البلدان الأعضاء التي تعتبر بالفعل الأكثر كفاءة في التعامل مع القضايا البيئية.

 

إن المفوضية الأوروبية، حين تضحي باحتياجات البلدان الأعضاء ذات الاقتصاد الناشئ، والتي نجحت بالفعل في تحقيق أهدافها البيئية، لصالح البلدان ذات الأسواق الأكثر رسوخاً وقوة، فإنها بذلك تكافئ العجز وتضعف من كفاءة وفعالية السياسة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي في التعامل مع قضية تغير المناخ، فضلاً عن إضعاف السوق الموحدة. إن البلدان الأعضاء الخمسة عشر مسؤولة عن انبعاث حوالي80% من الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري في الاتحاد الأوروبي بالكامل. وهذا يعني أن هذه البلدان لابد وأن تضطلع بدور ريادي في تنفيذ خطة الاتحاد الأوروبي في التعامل مع تغير المناخ. والحقيقة أن الوقت الآن هو الأنسب بالنسبة لهذه الدول للبدء في تصعيد جهودها.

عضو البرلمان الأوروبي من ليتوانيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق