صفقة جديدة من أجل المزارعين الفقراء

تم نشره في الجمعة 23 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

بلغ اليأس بالعديد من البلدان الفقيرة المستوردة للغذاء مبلغه في غضون الشهر الأخيرة، مع تضاعف أسعار الأرز والقمح والذرة العالمية. والآن اضطر مئات الملايين من الفقراء، الذين ينفقون حصة ضخمة من ميزانيتهم اليومية على الغذاء بالفعل، إلى بلوغ حافة اليأس، وأصبحت أعمال الشغب في تصاعد مستمر.

بيد أن العديد من البلدان الفقيرة تستطيع زرع المزيد من المحاصيل الغذائية، حيث تقل إنتاجية المزارعين كثيراً عن المعدلات الممكنة تقنياً. وقد تتمكن هذه البلدان في بعض الحالات، وفي ظل التخطيط الحكومي اللائق، من مضاعفة إنتاجها من الغذاء إلى ثلاثة أمثاله في غضون بضع سنوات.

والفكرة بسيطة ومعروفة للجميع. إذ تستخدم الزراعة التقليدية مدخلات بسيطة فتجني بذلك محاصيل فقيرة. ويستخدم الفلاحون الفقراء بذوراً من الموسم السابق، ولا يستطيعون تحمل تكاليف الأسمدة الكافية، ويعتمدون على مياه الأمطار بدلاً من الري، ولا يملكون أي معدات زراعية آلية غير المعزقة التقليدية. وربما لا تتجاوز مساحة مزارعهم هكتاراً واحداً

(2.5 فدان)أو أقل.

في ظل الظروف الزراعية التقليدية قد تتدنى إنتاجية محاصيل الحبوب ـ الأرز، والقمح، والذرة، والذرة البيضاء، وحبة الدخن ـ إلى حوالي الطن الواحد عن الهكتار، طيلة موسم زراعي واحد سنوياً. وبالنسبة لأسرة مزارعة مؤلفة من خمسة إلى ستة أفراد تعيش على هكتار واحد من الأرض فإن هذا يعني الفقر المدقع، أما بالنسبة للبلدان التي تعيش على أرضها هذه الأسرة فإن هذا يعني الاعتماد على واردات الغذاء باهظة التكاليف، والمعونات الغذائية.

إن الحل يكمن في زيادة إنتاجية محاصيل الحبوب إلى طنين عن الهكتار على الأقل ـ وفي بعض الأماكن إلى ثلاثة أطنان أو أكثر. وإذا ما تمكن المزارعون من تدبير المياه عن طريق شبكات الري فقد يكون بوسعهم زراعة أكثر من محصول واحد في العام، واستغلال موسم الجفاف في زراعة محاصيل بديلة. وارتفاع الحصيلة الإنتاجية وتكرار الحصاد يعني انخفاض معدلات الفقر بين أسر المزارعين، وانخفاض أسعار الغذاء بالنسبة للمدن.

إن الوسيلة الأساسية لزيادة الحصيلة الزراعية تتلخص في ضمان حصول الفلاحين الفقراء على البذور المحسَّنة(وهي عادة بذور "مهجنة" من مجموعة مختارة علمياً من البذور)، والأسمدة الكيماوية، والمواد العضوية اللازمة لتكميل خصوبة التربة، واستخدام وسائل الري ذات النطاق المحدود كلما أمكن ـ على سبيل المثال استخدام المضخات لرفع المياه من بئر قريب. والحقيقة أن توفير هذه التركيبة المؤلفة من البذور ذات الإنتاجية العالية والمخصبات والري على نطاق محدود لا يتطلب بذل جهود جبارة. فهي تُـعَد الوسيلة الأساسية لزيادة إنتاج المحاصيل الغذائية على مستوى العالم منذ ستينيات القرن العشرين.

المشكلة هنا أن هذه المدخلات المحسَّنة تجاهلت أفقر المزارعين وأفقر البلدان. فالمزارعون يعجزون عن الاقتراض من البنوك لشراء البذور والمخصبات ووسائل الري، نظراً لعدم قدرتهم على افتتاح حسابات في البنوك أو توفير الضمانات الإضافية. ونتيجة لهذا فإنهم يزرعون المحاصيل الغذائية بالطرق التقليدية، وكثيراً ما يكسبون أقل القليل أو لا شيء على الإطلاق من حصادهم، وذلك لأنه لا يكفي حتى لسد رمق أفراد أسرهم.

لقد أثبت لنا التاريخ أن الأمر يتطلب تدخل الحكومات لمساعدة أفقر المزارعين في الإفلات من قبضة الفقر نتيجة لانخفاض إنتاجية محاصيلهم. وإذا ما تمكن المزارعون من الحصول على المساعدة اللازمة لتأمين التقنيات البسيطة، فقد ترتفع دخولهم، وقد يصبح بوسعهم افتتاح حسابات شخصية في البنوك وتوفير الضمانات الإضافية. وقد يتمكن المزارعون من جمع ما يكفي من الثروة للحصول على المدخلات اللازمة لتمكينهم من المنافسة في السوق، إما عن طريق الشراء المباشر من المدخرات أو عن طريق الاقتراض من البنوك.

ذات يوم كانت البنوك الزراعية، التي تديرها الحكومات في مختلف أنحاء العالم، لا تكتفي بتمويل المدخلات، بل كانت تسعى أيضاً إلى توفير الإرشاد الزراعي والتقنيات الجديدة الخاصة بالبذور. بطبيعة الحال، اشتمل الأمر على العديد من الانتهاكات والمخالفات، مثل تخصيص الأرصدة العامة للمزارعين الأثرياء بدلاً من المحتاجين، أو الاستمرار في تقديم دعم المدخلات حتى بعد أن تتحسن أحوال المزارعين إلى حد القدرة على الادخار. ونتيجة لذلك فقد أفلس عدد كبير من البنوك الزراعية الحكومية. ومع ذلك فقد لعب تمويل المدخلات الزراعية دوراً ضخماً وإيجابياً في مساعدة أفقر المزارعين في الإفلات من قبضة الفقر والاعتماد على المعونات الغذائية.

أثناء أزمات الديون التي استمرت طيلة ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، أرغم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عشرات الدول الفقيرة المستوردة للغذاء على إغلاق هذه المؤسسات التابعة للدولة. فتُرِك المزارعون لتدبير أمورهم بأنفسهم، وقيل لهم إن "قوى السوق" سوف تتولى مسألة المدخلات. وبالطبع كان ذلك خطأً فادحاً: حيث إن قوى السوق تلك لم يكن لها وجود.

ونتيجة لذلك، خسر المزارعون الفقراء القدرة على الوصول إلى المخصبات والبذور المحسَّنة. ولم يكن بوسعهم الحصول على التمويل اللازم من البنوك. ومن الجدير بالذكر أن البنك الدولي أدرك هذا الخطأ في إطار التقييم الداخلي الذي أجراه في العام الماضي لسياساته الزراعية.

لقد حان الوقت لإعادة تأسيس أنظمة التمويل العامة القادرة على تمكين صغار المزارعين في البلدان الفقيرة، وبصورة خاصة أولئك الذين يزرعون على هكتارين أو أقل، من الحصول على المدخلات اللازمة من البذور ذات الإنتاجية العالية، والمخصبات، والري محدود النطاق.ولقد تبنت ملاوي هذا النظام طيلة المواسم الثلاثة الماضية، فنجحت نتيجة لذلك في مضاعفة إنتاجيتها من المحاصيل الغذائية.ويتعين على غيرها من البلدان ذات الدخول المنخفضة أن تحذو حذوها.

من المهم هنا أن نذكر أن البنك الدولي، تحت زعامة رئيسه الجديد روبرت زوليك، بدأ الآن في المساعدة في تمويل هذا التوجه الجديد.

وإذا ما قدم البنك منحاً للبلدان الفقيرة لمساعدة صغار المزارعين على الوصول إلى المدخلات المحسَّنة، فلسوف يصبح بوسع هذه البلدان أن تزيد من إنتاجية محاصيلها الغذائية في غضون وقت قصير.

يتعين على الحكومات المانحة، بما في ذلك الدول الغنية بالنفط في الشرق الأوسط،أن تساعد في تمويل الجهود الجديدة التي تبناها البنك الدولي. ويتعين على المجتمع الدولي أن يضع نصب عينيه هدفاً عملياً يتلخص في مضاعفة إنتاجية محاصيل الحبوب في البلدان ذات الدخول المنخفضة في أفريقيا والمناطق المماثلة(مثل هاييتي) في غضون السنوات الخمس القادمة. وتحقيق هذه الغاية أمر ممكن إذا ما حرص البنك الدولي، والحكومات المانحة، والدول الفقيرة على تركيز الانتباه على الاحتياجات الملحة لأفقر مزارعي العالم.

أستاذ علوم الاقتصاد ومدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق