صولة حزب الله في بيروت

تم نشره في الجمعة 16 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

 بدل أن يعيد النصر في تموز من عام 2006 اللحمة إلى اللبنانيين شق صفوفهم، وعلى حين غرة نزل حزب الله إلى بيروت وعلا ضجيج  قوى 14 من آذار للتخلص من سلاح حزب الله، وكما كان مثيرا أن تكون حكومة السنيورة حكومة "مقاومة سياسية" لدى الرئيس نبيه بري بعد انتهاء الحرب، ثم لاحقا حكومة كانت تتجسس على المقاومة أثناء العدوان الاسرائيلي، كما قال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله. كان مثيرا أيضا من قوى 14 من آذار أن تطالب بتجريد حزب الله من سلاحه الذي وحده دافع عن لبنان في حرب تموز، فيما كانت أميركا التي تشدقت أفواه القوى ذاتها بأنها الضامنة للبنان من أي عدوان إسرائيلي هي من كان يقف خلف العدوان.

في لبنان تتقلب "الحقيقة" على الألسن والكفوف بين ساعة وساعة لا بين ليلة وضحاها، وكأن من يسكن لبنان قطعان من البهائم لا شعوبا من البشر.

كانت التقارير الصحفية تتحدث أثناء الحرب عن حث دؤوب بذلته سورية على حزب الله لإسقاط حكومة السنيورة أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان،  رغبة منها بالتخلص من السنيورة وحكومته الذي لم يكتف بالخروج السوري من لبنان لقاء ما ادعاه من صنيعة سورية في الرئيس الراحل "رفيق الحريري"،  بل أخذه هوس الانتقام بعيدا والرغبة في القربى من الولايات المتحدة إلى المطالبة بالتحقيق الدولي وبالمحاكمة الدولية التي ربما تعني فيما تعني أن يؤخذ الرئيس السوري بشار الأسد من باب بيته ليوضع في قفص الاتهام، الذي جلس فيه ميلوسوفيتش ذات مرة، أو القفص الذي وضع في الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

حزب الله الذي وقع بين الضغط الإسرائيلي من جهة والرغبة السورية باستثمار الفرصة لإسقاط السنيورة من جهة ثانية والخشية الإيرانية من استمرار الحرب، وبالتالي عودة التصعيد وربما الحرب مع الولايات المتحدة بسبب ما أسمته أيضا بعض الأوساط الإيرانية بالمغامرة من جهة ثالثة، والحاجة إلى دعم السنيورة من جهة رابعة، أرجأ الطلب السوري، رغم انه ملح، وحصل على دعم السنيورة وأوقف الحرب نزولا عند الرغبة الإيرانية، وبعد الحرب شحذ الجماهير ونزل إلى بيروت "وفاء لسورية".

أمام الهامش المحدود للمعقول اخذ اللامعقول الهامش الأوسع في تحركات حزب الله، وبدل أن يورّي الحزب قليلا في أهدافه الحقيقية ذهب الحزب بعيدا في المعركة مع السنيورة، واخذ يثقف شيئا فشيئا ضد السنيورة وحكومته. قبل الحملة كان السنيورة مقاوما سياسيا، ومع بدء الحملة أصبح السنيورة ديكتاتورا متسلطا ثم سريعا عميلا متواطئا وأداة من أدوات الأمركة والأسرلة، وقبل أشهر أصبح سنيا طائفيا يريد عزل الشيعة، وقبيل الصولة بأيام علت أوساط داخل الطائفة الشيعية ودغدغوا ماضيا اليما عاشه شيعة الجنوب وقالوا: لن نرجع عبيدا، ويقصدون هنا أن السنة والموارنة يخططون لاستعباد الشيعة مرة ثانية.

رغم الخطاب السياسي والإعلامي المحبوك لتيار المستقبل، لكن التماهي كثيرا في "تزييف" الواقع لا بد وان تكون له ارتداداته السلبية ليس داخل لبنان فقط بل خارجه.. ترى من يريد من السنة "استعباد" الشيعة؟! لماذا الذهاب بعيدا في المسألة رغم ان خطاب حزب الله الرسمي يحصر الخلاف حول سلاح المقاومة.

اذا استمر "تطييف" الخلاف السياسي في لبنان سينتهي حتما الى ما انتهى اليه الخلاف في العراق، ألم يسع كل من عبدالعزيز الحكيم وبيان جبر صولاغ إلى "تطييف" المقاومة واعتبارها "سنية"، ومن ثم إشعال الحرب الأهلية خدمة للاحتلال الأميركي!

 قبل نحو عام قال ميشال عون على شاشة المنار إن "السنة" يريدون أن "يقوسوا" على الشيعة والموارنة الآن مثلما "قوسوا" على الموارنة في السبعينات، وظل عون يردد الاتهام ذاته ثم ما لبثت تلك الدعوى ان شاعت بين الطائفة الشيعية وبعض الموارنة، بعض ارتداداته سمعت على لسان متظاهرين تابعين لحزب الله قطعوا طريق المطار ذات مرة وشتموا رموزا  إسلامية كبيرة في التاريخ الإسلامي، والأمثلة هنا محدودة لكنها معدودة ومقيدة.

لو كان الادعاء على السنة صحيحا لما التزم السنة بيوتهم وتركوا الحريري وحيدا يحرسه الجيش بعد قرار الاعتداء على شبكة الاتصالات لحزب الله، وما من احد من السنة يرغب لبنان بلا حزب الله "المقاوم"، رغم انهم عابوا عليه مرارا احتكاره للمقاومة، ولكن ما من سني يرغب في رؤية حزب الله في شوارع بيروت. يوم الاثنين الماضي قال رئيس مجلس ادارة صحيفة الاخبار ابراهيم الأمين ذات الصلة بحزب الله على شاشة قناة المنار ذاتها إن ما يجري في بيروت الآن  "فيه" الغاء للآخر وعلى الحزب والمقاومة ان لا ينفي وأن يكونوا حساسين تجاه ذلك.

لقد ذهب حزب الله كثيرا في نصرة سورية، لكن المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق ليست مجبرة على رد الجميل او الهدايا فضلا عن  الأثمان، فهي تدفع الأثمان عن الأمة في مواجهة المشروع الإسرائيلي والأميركي وما زالت. واذا كان لا بد فلماذا تدفعه على النحو؟

يبقى حزب الله ذخرا مهما في رصيد الأمة رغم الأخطاء السابقة، ويبقى الكلام هنا ضرورة لا من اجل أحد، فقط من أجل المقاومة، وكما قال رئيس تحرير صحيفة السفير طلال السلمان قبل أيام، من اجل شرف المقاومة وشرف سلاحها.

صولة حزب الله في بيروت مرّت بأقل التكاليف، ورغم أنها أفشلت الجولة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، لكن ارتداداتها اذا لم يتدارك حزب الله ذاته ربما تكون مكلفة ومكلفة جدا مستقبلا.

* صحافي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا يا بطل (mahmoud alturk)

    الجمعة 16 أيار / مايو 2008.
    شكرا يا بطل