مواجهة الأزمات لا الاختناق بها!

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

كما هي عادة الرأي العام العربي في وقت الأزمات، تسود حالة من الانقسام والتشرذم، وغالبا ما يكون التركيز على من معه الحق ومن ليس معه الحق. نظرية بسيطة وسهلة في التعامل مع الأحداث، لكن نتيجتها في الغالب مزيد من التشرذم والحيلولة دون الوصول إلى نتيجة تفيد في الخروج من حالة الضعف والتردي العامة التي تعيشها منطقة متفجرة مثل الشرق الأوسط. 

حدثان تكررا بنفس السيناريو، فسيطرة حماس على غزة والسيطرة المؤقتة لحزب الله على بيروت تتشابهان إلى درجة كبيرة. إننا أمام تحرك لما نسميهم باللاعبين غير الدول(Non State Actors)، والذين بدأوا يشكلون السياق السياسي لهذه المنطقة منذ أكثر من ثلاثة عقود. ان ضوضاء الحدث أبعدتنا عن محاولة فهمه بسبب الانهماك في التصنيفات، دون الولوج الى عالم المعرفة الذي يعيننا في أحايين كثيرة في الذهاب أعمق لفهم ما يجري.

الاستنتاج الذي كثيرا ما نسمعه أن التطورات تقول لنا إن الأمور تتجه نحو الحرب الأهلية في ثلاث مناطق متفجرة في المنطقة وهي لبنان والسلطة الفلسطينية والعراق. وان هذا الاستنتاج هو بسبب التطورات الراهنة، لكن هذا لا يبدو دقيقا، فالتطورات الراهنة ما هي إلا الأعراض لأمراض عضال تعاني منها هذه المناطق، من هنا فمن الضروري أن نفهم أن حالة الحرب الأهلية ليست حدثا عابرا، وإنما هي نتيجة لجملة من الظروف الموضوعية التي إذا ما توفرت فإن الحرب والمواجهة الداخلية محققة وحتى ولو كانت بمستويات مختلفة، ويمكن إجمال هذه الظروف فيما يلي:

أولا؛ عدم وجود حكومة مركزية قوية تستند إلى مؤسسات شرعية وتحظى بإجماع اللاعبين السياسيين وتعبر عن الخريطة الاجتماعية (عرقيا ودينيا) للمجتمع. وضعف الحكومة المركزية إما ان يحدث بسبب حداثة التأسيس، أو عدم القدرة على إنتاج مؤسسات وقانون ينظمان عمل النظام السياسي، ما يجعل الدولة تتحرك وبسرعة كبيرة إلى أن تصبح دولة هشة فاشلة(Fragile State). يرافق ذلك كله فشل في صياغة هوية وطنية تدعم عمل مؤسسات تلك الدولة، لان الفشل في تشكيل هوية وطنية يقوي الهويات العرقية والدينية الفرعية ويجعلها هي التي تحكم مسار المجتمع وليس هوية الدولة.

ثانيا؛ فشل النخبة السياسية في التعبير عن المكون الاجتماعي والسياسي لذلك المجتمع يعتبر عاملا يساعد على حدوث عدم استقرار داخلي وغالبا ما يدفع باتجاه الحرب الأهلية. إن الدولة الحديثة تبنى على أساس وجود نخب سياسية مختلفة في الرؤى لكنها ليست متعادية، ومهما وصل حجم الاختلاف بينها فإن المرجعية الأساسية هي القانون والمؤسسات التي تفرض على كل طرف أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة السلم الاجتماعي للمجتمع والدولة. هناك مشكلة على مستوى النخب السياسية في المناطق المشار إليها، وهذه المشكلة أصبحت أزمة تدفع كل طرف للتطرف في مواقفه، وهو الأمر الذي ينتج عنه اللجوء إلى السلاح. 

هذه المسألة ليست حصرا على هذه المنطقة بل يمكن أن ترى في أفريقيا وفي أميركا اللاتينية، بل وحتى في العالم المتحضر كما حصل بين بريطانيا والايرلنديين.

ثالثا؛ دور اللاعبين الخارجيين محوري في فهم ظاهرة الحرب الأهلية. إن الاختلاف داخل النخب السياسية وغياب مرجعية مؤسسية وقانونية يحتكمان إليها تدفع كل طرف للبحث عن المساندة لدعم شرعية موقفه، ويزداد الأمر خطرا حين تكون أطراف خارجية لها مصالح في هذه المنطق أو تلك.

البحث عن العون من الخارج يعني وصول النخبة السياسية إلى تعريفات متناقضة جدا حول المصلحة الوطنية ومفهوم الاستقرار الداخلي، فالفجوة المتزايدة والفشل في تطوير مفهوم مشترك لتجاوز التناقضات يسهلان على اللاعبين الخارجيين عملهم ليصل إلى حد التحكم في المسارات السياسية وحتى مفاتيح الحل، وهذا كله يسهل المواجهة الداخلية ويجعلها خيارا مطروحا لتحقيق أهداف كل طرف.

هذه الظروف غير مرتبطة بثقافة أو دين او بيئة سياسية، وحيثما توفرت في نذر مواجهة داخلية. أخيرا إن من المهم ألا يخنقنا الحدث ويمنعنا من التفكير بطريقة علمية لفهم الحدث وتحليله، في محاولة ربما لمواجهته أو لمنع تكراره.

التعليق