15 أيار: صمود الذاكرة

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

على الأرجح ان يوم 15 أيار الحالي لن يشهد مفاجأة سياسية تفتح باب الأمل أمام الفلسطينيين، كأن يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس وزعيم حركة "حماس" خالد مشعل ليعلنا، مثلاً، عن استئناف الحوار بينهما من أجل تجاوز ما جرى في غزة، والشروع في حوار وطني لمواجهة استحقاقات المرحلة الصعبة القادمة. فلا رد اسرائيل السلبي، قبل أيام، على عرض التهدئة الذي تقدمت به "حماس" عبر البوابة المصرية ولا خيبة أمل الرئيس عباس من عودته خالي الوفاض من "رحلة السلام" إلى واشنطن تدفع الرجلين، ومن ورائهما الحركتان الرئيسيتان، لاستعادة الحوار، وهو أمر كان ممكناً وما يزال مطلوباً.

لكن الذكرى الستين للنكبة لها وجهها الآخر. ففي الوقت الذي تخيم العتمة على الحال السياسي الفلسطيني (قل العربي أيضاً) فإن الوجه الآخر لهذا الواقع الكئيب نجده في عشرات بل مئات المبادرات المجتمعية لإحياء هذه الذكرى بالتذكر. وعلى ما يبدو فإن قوة الذاكرة الفلسطينية هي السلاح الفتاك الذي يجب أن تحتسب له اسرائيل (ويقيناً انها تحتسب له)، فهي أقوى تأثيراً من صواريخ القسام التي لا تعرف أين تسقط وعلى من تسقط، وتفاجئنا انها كلما تصيب طفلاً أو طفلة. وهي أفعل بالتأكيد من مواصلة المراهنة على رقة قلب الإدارة الأميركية أو وعود بوش المراوغة أو مواصلة المفاوضات مع أولمرت الراحل قريباً.

ليس للذاكرة حدود عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. ولقد عبر أحد الشباب الذين التقتهم "الجزيرة" قبل أيام، وهو طالب من أحد مخيمات غزة ويدرس في الولايات المتحدة عن ذلك بقوله: "يكفي أن ينهض الواحد منا كل صباح ويفتح عينيه على سقف بيته في المخيم ليدرك ان النكبة حدثت بالأمس وليس قبل ستين عاماً. فالأجيال التي ولدت، حتى بعد عقود من النكبة، تنظر اليها كما لو انها حصلت يوم أمس، ومعها بالذات، وليس مع الآباء والأجداد".

والذاكرة لا تتعلق فقط بالروايات الشفوية التي تتناقلها الأجيال عبر ستين عاماً من اللجوء، وإنما أيضاً بالصور الفوتوغرافية والوثائق المختلفة والمواد الاستعمالية التي توارثتها الأسر الفلسطينية منذ غادرت فلسطين، فالأمر لا يتعلق فقط بالمفتاح الشهير، رمز تعلق الفلسطيني بالبيت الذي غادره مؤقتاً ليعود إليه بعد أيام، فإذا الأيام تكر لتغدو 60 عاماً، وإنما أيضاً بكل مفردة من مفردات الحياة قبل حرب 1948.

15 أيار والسنة الستون للنكبة، ليسا مناسبة حزينة فقط، وإنما أيضاً، وربما أساساً، مناسبة لإعادة بناء الذاكرة الفلسطينية وإظهار فظاعة النكبة للعالم وإشراكه في تحمل مسؤولية احقاق العدالة وتصحيح الخطأ التاريخي الذي ما تزال الأجيال اللاحقة من الفلسطينيين تدفع ثمنه مع كل يوم جديد.

من بين عشرات المبادرات التي تعرض صوراً عن الحياة الفلسطينية قبل حرب 1948 واللجوء الجماعي لمئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الدول المجاورة، يفتتح يوم 18 أيار الحالي معرض مميز عن الذاكرة الفلسطينية: "أنا من هناك، ولي ذكريات"، وهو يقام في عمان، مثلما يقام في القدس وغزة ودمشق وبيروت. لكن هذا المعرض الذي يحتوي على خمسين صورة فوتوغرافية بالابيض والأسود، ما هو الا نسخة محلية لهذا المعرض متعدد المحطات. ففي كل محطة/ مدينة يُعرض فيها، ترافقه مواد جمعت محلياً، من الفلسطينيين الذين غدوا بعد 15 أيار 1948 لاجئين: صور ومقتنيات متنوعة تعود إلى العائلات الفلسطينية، حيث كانت تعيش على أرضها، كما تعيش الأسر والأفراد الآخرين في كل مكان من هذا العالم.

وتكتسب هذه المقتنيات قيمتها الهائلة والتي يصعب تقديرها بالمقاييس المادية، من كونها جزءاً من الذاكرة الفلسطينية التي تقاوم النسيان والتجاهل، عن طريق إعادة بنائها وترميمها وإنعاشها ونقلها إلى الأجيال القادمة، لا بل إلى العالم بأسره، لتقول، كما يقول عنوان المعرض المقتبس من مقطع قصيدة للشاعر محمود درويش:

"أنا من هناك، ولي ذكريات.

ولدت كما يولد الناس، لي والدة

وبيت كثير النوافذ".

لا يقول المعرض فقط ان الفلسطينيين كانوا على أرضهم، يواصلون دورة حياتهم العادية منذ آلاف السنين، وكانت لهم مدنهم وقراهم وأسواقهم ومزارعهم وموانئهم، وحرفهم، وكانت لهم طقوسهم الاجتماعية وأعيادهم وملابسهم وموائدهم. وبالتالي لم تكن أبداً أرضاً خلاء، لتعطى لغيرهم، تعويضاً عن ذنب اقترفته أوروبا تجاه هؤلاء، أو توظيفاً لهم خدمة لمصالح الغرب الحيوية، من نفطية واستراتيجية.

ما يقوله المعرض أيضاً: أن الفلسطينيين سواء أكانوا على أرضهم وفي وطنهم، أو في محيطه أو في اصقاع العالم، هم هنا، مسلحون بذاكرتهم وسيظلوا يطرقون الجدران، ويروون قصصهم بالصور والوثائق وآلاف المفردات من المواد التي كانوا يستعملونها في حياتهم حينذاك، وهم على أرضهم وفي وطنهم.

المشهد السياسي الفلسطيني الراهن لا يعكس حقيقة ميزان القوى الفعلي على الارض، انه بالاحرى يعكس جانبا هاما منه دون شك، وهو مشهد قاتم ومحزن، لكن الذين يقرأون الواقع بعمق يدركون انه خلف تلك الغشاوة القاتمة توجد الحقائق الأكثر صلادة وتعبيراً عن حقيقة الصراع: فالفلسطينيون في مختلف مواقعهم كانوا وسيظلون يتطلعون لممارسة حقهم في العودة، واستئناف دورة حياتهم العادية، كما لو أن 60 عاماً مرت ليست أكثر من مجرد كابوس مزعج، مَرَّ بهم في منام ليلة البارحة.

Hani.hourani@alghad.jo

التعليق