د.باسم الطويسي

استرخاء النخبة الإسرائيلية

تم نشره في الثلاثاء 13 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

توضح الاتهامات المحتمل ان يتم توجيهها لرئيس الوزراء الإسرائيلي حول عمليات فساد تتعلق بحملته الانتخابية، والطريقة التي يتعامل من خلالها المجتمع السياسي الإسرائيلي في هذا الملف إلى جانب الطريقة التي تم التعامل من خلالها مع نتائج تقرير لجنة فينوغراد الخاصة بحرب تموز مع حزب الله، حجم الطمأنينة السياسية التي تتصرف من خلالها النخبة السياسية هناك، بالمقارنة مع ما يبدو من مصادر تهديد وعدم استقرار إقليمي.

هذه الطمأنينة والاسترخاء السياسي الداخلي يبدو أكثر وضوحا في كل المحطات الأخيرة لمراجعة الأوليات الإستراتيجية لدولة شاذة في نشأتها وسلوكها مثل إسرائيل التي اعتاد العالم على ممارستها يقظة منقطعة النظير على مدى ستة عقود من وجودها، يدل على ذلك مراجعة مضامين مؤتمر هرتسليا لهذا العام بعد مرور خمسة شهور على جدول الأعمال والتوصيات التي قدمتها النخبة الاسرائيلية في هذا المؤتمر من مختلف التيارات وحددت الأوليات الإستراتيجية الاسرائيلية خلال عام  2008، والتي اقتصرت على إدارة التسوية بنفس الأدوات أي المشروع الإسرائيلي للتسوية، والخطر النووي الإيراني والقضية الجغرافية، بخاصة الجغرافيا البشرية أي يهودية الدولة والدعوة إلى تنشيط العمل على جلب المزيد من المهاجرين اليهود، وحض الحكومات الإسرائيلية على تأمين شروط استيعابهم، وأخذ قضية التوازن الديمغرافي بعين الاعتبار في أية مفاوضات مع الفلسطينيين.

مظاهر انسحاب النخبة السياسية الإسرائيلية من القلق التاريخي نحو الطمأنينة لما سيأتي تتعدد، كما تتعدد مناهج تفسير هذا القلق والطمأنينة معا، والذي يذهب عميقاً الى ما قبل المواجهة مع المقاومة اللبنانية في تموز 2006، ويبرز هذا التنازع بين القلق والطمأنينة لصالح الأخير وفق القراءة الثانية، وفي مراجعة أساليب  تلك النخبة وتعبيراتها السياسية وسلوكها المدني، وكيف ينعكس كل ذلك في محاولاتها الدائمة للتكيف مع مظاهر التغيير والانقلابات الاستراتيجية التي يشهدها الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل مراجعة هذه الحالة يحتاج الى منظورين؛ الأول يراقب حقيقة الأزمة السياسية ويطرح سؤالا حول مدى وجود أزمة نخبة سياسية، واختبار ذلك في مدى جدية حالات التفتت التي تشهدها الكيانات الحزبية والايديولوجية والفضائح والفساد السياسي والأخلاقي والسلوكي، والأخطاء في تقدير المواقف السياسية والاستراتيجية، والمنظور الثاني يتطلب النظر الى هذه المظاهر في سياق الرغبة في التكيف الايجابي مع حالة فقدان الوزن والفراغ الذي تحياه المنطقة بأكملها.

المظاهر التي تطفو على السطح وتأخذ شكل أزمات متتابعة قد لا تعبر عن حقيقة المواقف، فالإسرائيليون اعتادوا كأي عقلانية سياسية في التاريخ التصرف حسب ظروفهم، ولكن لا أحد من خارج الدوائر الضيقة يستطيع تحديد حقيقة تلك الظروف، في الأيام الأخيرة تصاعدت حدة التعبيرات السياسية والقانونية التي تشير الى طرق إدارة وتفريغ القلق السياسي، ومنها تداعيات الاتهامات بالفساد وتهديد رئيس الوزراء بالاستقالة.

قلق النخبة السياسية الإسرائيلية يأخذ مناحي أخرى أبرزها ما تتحدث عنه بعض الخطابات من ذهنية التآمر داخل النخب، ومنها استقالة الرئيس الإسرائيلي موشيه كاساف بعد فضيحة التحرش الجنسي الشهيرة. وبعد فضيحة الرئيس بأسابيع دانت احدى محاكم تل أبيب وزير العدل السابق حاييم رامون الذي استقال من منصبه أثناء الحرب على لبنان بتهمة التحرش الجنسي بمجندة إسرائيلية.

وفي حالتي كاساف ورامون وحالة اولمرت الأخيرة؛ ومع اختلافات مضامين الادعاء والدفاع في كل حالة، فإنّ هنالك أحمالا سياسية تعبر عن صراعات وقلق داخل النخب الإسرائيلية واسترخاء سياسي، ومع كل ما يقال هناك محمول لعقلانية سياسية تاريخية كبيرة غير متوفرة في دول عريقة  شئنا أم رفضنا الاعتراف بها.

لا شك أن النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية باتت تغادر زمن القيادات الكبيرة والتاريخية، فما دام شارون في صمته الأبدي فان الساحة خلت أمام العجوز المحنك صاحب الحظ المتعثر شمعون بيريز الذي يختم حياته السياسية برئاسة الدولة، فقد توصل الأخير لخلاصة المشهد المحيط وأسرار بعض مظاهر الاسترخاء الذي تعبر عنه سلوكيات النخب الإسرائيلية على وقع الصراع الداخلي الفلسطيني وحالة الفوضى في المحيط الإقليمي، وعبر عن ذلك في مؤتمر هرتسيليا؛ حينما عدد الهدايا التي قدمها كل من الرئيس الإيراني احمدي نجاد وأمين عام حزب الله اللبناني لإسرائيل؛ فالأول حسب بيريز أعاد إحياء التضامن العالمي مع إسرائيل عبر تصريحاته الشهيرة، والثاني كشف للعالم قوة إسرائيل الإنسانية في الطريقة التي تدير فيها ملف أسراها، ونحن نتوقع اليوم حجم الهدايا التي سيقدمها بيريز لدولته في عيدها الستين سنلاحظ خلال الأيام القادمة حجم الارتكاز على قوة إسرائيل ولكن ليس المادية أو العسكرية بل الإنسانية.

 

وبعد مرور (14) شهرا من عمر الحكومة الحالية، فما زال الشعور السائد الذي يسوّق للإقليم أن هذه الحكومة من اضعف الحكومات في تاريخ إسرائيل، ولم تختبر الأحداث مدى جدية الاستنتاج الذي تردد صبيحة الانتخابات الماضية؛ ومفاده أن إسرائيل تشهد نزوحاً سياسياً واستراتيجياً نحو الوسط، كما عُبر عنه في صيغة حزب كاديميا وفي برنامجه السياسي ورموزه، وعبر خطته للانفصال أحادي الجانب عن الفلسطينيين، وعلى الجانب الآخر تستمر أزمة اليسار الإسرائيلي الممتدة منذ منتصف التسعينيات.

المياه الإسرائيلية تبدو آسنة من الخارج ولا تتحرك بينما يتراجع الأداء الاقتصادي وفق أكثر من مؤشر، فان ابسط السيناريوهات تدل على أن هذه الحكومة مرشحة من زاوية للحاق بحكومات سبقتها لم تنه مدتها القانونية، بينما يشير هذا الأداء من زاوية خبيرة أخرى الى قدرة هذا الكيان ونخبه السياسية في توظيف حتى الاسترخاء السياسي لمصالح غير منظورة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق