مستقبل التحالف بين الولايات المتحدة واليابان

تم نشره في الاثنين 12 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

يستشف العديد من المحللين في الوقت الحالي نوعاً من عدم الارتياح في اليابان بشأن تحالفها مع الولايات المتحدة. ويرجع هذا جزئياً إلى قضية الأسلحة النووية في كوريا الشمالية والخوف من عدم تمثيل الولايات المتحدة لمصالح اليابان على النحو الملائم (على سبيل المثال، متابعة قضية المواطنين اليابانيين الذين اختطفتهم كوريا الشمالية منذ أعوام). وتتعلق قضايا أخرى بتمركز قوات مشاة البحرية التابعة للولايات المتحدة في أوكيناوا ومشاركة اليابان في تكاليف نقل بعض هذه القوات إلى غوام. والقائمة طويلة، ولكن قد يكون من الأفضل أن ننظر إلى مثل هذه القضايا باعتبارها مشاكل "أسرية": فقد يتشاجر الزوجان لبعض الأسباب دون أن يؤدي ذلك إلى الطلاق.

ولكن هناك مستوى أعمق من القلق، والذي يرتبط بخوف اليابان من تهميشها مع تحول الولايات المتحدة نحو الصين الناشئة. على سبيل المثال، يشكو بعض اليابانيين من أن الاهتمام الذي تحظى به الصين أعظم كثيراً من الاهتمام الذي تحظى به اليابان في الحملة الانتخابية الأميركية. ولا ينبغي لهذا النوع من الانزعاج أن يدهشنا: إذ أن قدرات الولايات المتحدة واليابان الدفاعية ليست متساوية، وهذا من شأنه أن يثير انزعاج الطرف الأكثر اعتماداً على الآخر.

على مدار الأعوام الماضية برزت اقتراحات متنوعة فيما يتصل بجعل التحالف أكثر توازناً، بما في ذلك اعتبار اليابان دولة "طبيعية" تتمتع بالقدرات العسكرية الكاملة، حتى الأسلحة النووية. إلا أن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تثير من المشاكل أكثر مما قد تحله. وحتى لو نفذت اليابان هذه الإجراءات، فلن تتمكن من مضاهاة قدرات الولايات المتحدة. ومن الجدير بالملاحظة أن الحرب الباردة شهدت قدراً مشابهاً من المخاوف من جانب حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين فيما يتصل بتبعيتهم لها واحتمالات تخليها عنهم، وذلك على الرغم من القدرات العسكرية التي كانوا يتمتعون بها آنذاك.

إن الضمانة الحقيقية لصدق عزيمة الولايات المتحدة في الدفاع عن اليابان تتمثل في تواجد قوات الولايات المتحدة وقواعدها في اليابان، وتعاونها معها في قضايا تتصل بحماية كل من الأميركيين واليابانيين - مثل الدفاع ضد الصواريخ الباليستية. وهناك فضلاً عن ذلك إجابتان وجيهتان على التساؤلات بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تتخلى عن اليابان لصالح الصين: 1- القيم، 2- التهديدات.

فنظام الحكم في كل من اليابان والولايات المتحدة ديمقراطي، على عكس الحال في الصين، ويشترك البلدان في العديد من القيم. فضلاً عن ذلك فإن اليابان والولايات المتحدة تواجهان تحدياً مشتركاً نتيجة لنهوض الصين، كما تشتركان في مصلحة قوية تتمثل في ضمان عدم تحول النهضة التي تشهدها الصين إلى تهديد لهما. وتنظر الولايات المتحدة إلى العلاقة الثلاثية التي تجمعها باليابان والصين باعتبارها أساساً للاستقرار في شرق آسيا، وترغب في استمرار العلاقات الطيبة بين الأطراف الثلاثة. إلا أن هذا المثلث ليس متساوي الأضلاع، وذلك لأن الولايات المتحدة متحالفة مع اليابان، ولا ينبغي للصين أن تشكل تهديداً لأي من البلدين إذا ما احتفظا بذلك التحالف.

من ناحية أخرى لا ينبغي للصين أن تبالغ في تضخيم قوتها. يشير استطلاع حديث للآراء أن ثلث الأميركيين يعتقدون أن الصين "سوف تهيمن على العالم قريباً"، بينما ينظر 54% منهم إلى نهوض الصين باعتباره "تهديداً للسلام العالمي". والحقيقة أن الصين، طبقاً لأسعار الصرف الرسمية، تعتبر صاحبة رابع أضخم اقتصاد على مستوى العالم، فضلاً عن نمو ذلك الاقتصاد بمعدل 10% سنوياً. إلا أن نصيب الفرد في الدخل في الصين لا يتجاوز 4% من مثيله في الولايات المتحدة. وإذا ما استمر نمو الاقتصاد في البلدين بنفس المعدل الحالي، فقد يصبح اقتصاد الصين أضخم من اقتصاد الولايات المتحدة في غضون ثلاثين عاماً، ولكن نصيب الفرد في الدخل في الولايات المتحدة سوف يظل أربعة أضعاف مثيله في الصين. فضلاً عن ذلك فإن الصين تأتي في مرتبة متخلفة كثيراً عن الولايات المتحدة فيما يتصل بالقوة العسكرية، كما تفتقر إلى مصادر "القوة الناعمة" التي تتمتع بها أميركا، مثل هوليود وجامعاتها العالمية الراقية.

كما يظل تطور الصين داخلياً محاطاً بالعديد من الشكوك. فقد نجحت الصين في انتشال 400 مليون مواطن صيني من الفقر منذ العام 1990، ولكن هناك 400 مليون غيرهم يعيش كل منهم على أقل من دولارين أميركيين في اليوم. وإلى جانب التفاوت الشديد بين طبقات الشعب الصيني، يبلغ تعداد العمالة المهاجرة من الصين حوالي 140 مليون عامل، فضلاً عن التلوث الشديد، والفساد المتفشي. كما عجز تطورها السياسي عن مواكبة تقدمها على الصعيد الاقتصادي. ورغم أن المزيد من الصينيين أصبحوا اليوم أكثر حرية من أي وقت مضى في تاريخ الصين، إلا أن الصين ما تزال بعيدة كل البعد عن الحرية. وهنا يبرز الخوف من أن يلجأ قادة الحزب، في محاولة لعلاج تأكل الشيوعية، إلى التحول نحو القومية كدعم إيديولوجي، وهو التوجه الذي قد يؤدي إلى سياسة خارجية غير مستقرة - بما في ذلك النـزاع بشأن تايوان، على سبيل المثال.

في مواجهة هذه الشكوك فإن السياسة الحكيمة لابد وأن تجمع بين الواقعية والليبرالية. فبتعزيز التحالف بين الولايات المتحدة واليابان يصبح بوسعهما توفير الوقاية ضد هذه الشكوك، وفي نفس الوقت حث الصين على الاندماج في المؤسسات العالمية باعتبارها "طرفاً قادراً على تحمل مسؤولياته". ويتمثل الخوف الأعظم هنا في أن تتحول المخاوف المتصاعدة من العداوة في البلدان الثلاثة إلى حقيقة واقعة. وفي هذا السياق نستطيع أن نقول إن التحالف بين الولايات المتحدة واليابان يستند إلى مصالح مشتركة عميقة الجذور.

ولكن هناك بعدا جديدا للتحالف وعلاقة طرفي التحالف بالصين. ففي هذا العام تفوقت الصين على الولايات المتحدة باعتبارها المصدر الأول على مستوى العالم للغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. وتزعم الصين، وهي محقة في زعمها هذا، أنها ما تزال متخلفة عن الولايات المتحدة واليابان كثيراً في هذا السياق طبقاً لحجم الانبعاثات الكربونية عن الفرد، إلا أن هذا لا يقلل من التكاليف المفروضة على العالم (بما في ذلك اليابان والولايات المتحدة). ومما لا شك فيه أن تبني برنامج تعاوني لمساعدة الصين في حرق الفحم بطريقة أكثر نظافة يصب في مصلحة البلدان الثلاثة.

إن التهديدات التي تتجاوز حدود الدول مثل قضية تغير المناخ أو الأوبئة من الممكن أن تحدث ضرراً لا يقل عن الأضرار الناجمة عن الصراعات العسكرية المسلحة. (في العام 1918 قتلت أنفلونزا الطيور عدداً من الناس يتجاوز عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى). والتعامل مع مثل هذه التهديدات يتطلب التعاون، والقوة الناعمة، والحلول غير العسكرية، وفي هذا المجال تشكل اليابان حليفاً أكثر تساوياً وأهمية. وهذا البعد الجديد المتنامي للتهديدات الدولية، إذا ما أضيف إلى المخاوف الأمنية التقليدية، يجعل مستقبل التحالف بين اليابان والولايات المتحدة أكثر إشراقاً من أي وقت مضى.

نائب وزير دفاع الولايات المتحدة الأسبق، وأستاذ بارز بجامعة هارفارد، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "سلطان الزعامة".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق