ياسر أبو هلالة

معارضة افتراضية لحكومة إلكترونية

تم نشره في الأربعاء 7 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

يستطيع القائمون على إضراب الرابع من آيار الافتراضي أن يؤرخوا لمرحلة لحقبة جديدة من تاريخ "المعارضة" الأردنية. انها حقبة المعارضة الافتراضية الإلكترونية. فللمرة الأولى لا يتقدم المضربون والمعتصمون والمتظاهرون إلى محافظ العاصمة بطلب ترخيص. ويعملون على رأسهم. وينتهي الإضراب المزعوم بتوقيف ثلاثة خرجوا عن النص الإلكتروني ووزعوا منشورات "ورقية" تدعو للإضراب. ولو لم يقم الثلاثة بتوزيع المنشورات (يقول القائمون على حركة اليسار الاجتماعي أنها أكثر من عشرين ألف منشور) لما أوقفهم أحد.

لا يدعي الموقوفون أنهم المبادرون إلى فكرة الإضراب، ولكنهم التقطوها وساروا بها. وتوقيفهم هو الذي أعطى حركتهم بعدا إعلاميا. مع أن الحركة لم تستطع إقامة فعالية جماهرية. لا يقلل ذلك من رمزية الحراك الذي حصل. فهو أولا، اعتراض مشروع على سياسات حكومية غير شعبية؛ فرفع الأسعار والسعي في بيع أصول الدولة لا يقبل أن يمر بدون معارضة أقله على التفاصيل والشكل أن لم يكن على المبدأ. ثانيا، العقلية السلطوية في منع أنشطة المعارضة  تفسح المجال لأفكار إبداعية.

فشل الإضراب، صحيح. وسارت الحياة بشكل طبيعي في الواقع، ولكنه نجح افتراضيا على الفيس بوك. تماما كشاب تواعد في الموقع ذاته مع هيفاء وهبة وتبادل معها المشاعر الوهمية الافتراضية. وإن كان موعد كهذا لم يسعد الفنانة ولم تدر به إلا أن الشاب قطع شوطا طويلا باتجاه تحقيق أحلامه! وبما أن المعارضة صورة للحكومة يمكن الآن فهم  الحكومة الإلكترونية ومشاريعها الافتراضية. فهي تحقق نوعا من الاكتفاء "الرقمي" وإن كان غير موجودا على الأرض.  

قد يربط المتفائلون بين الثقافة الافتراضية والتحديث. والواقع أن الصلة بينها وبين القديم أوثق. فالهروب من الواقع إلى الأساطير والسحر والشعوذة ثقافة قديمة لجأ إليها الإنسان عندما عجز الإنجاز الواقعي. والأصل في التحديث تحسين نوعية الحياة لا تراجعها. فالتطور الذي شهده الاقتصاد الرقمي لبى بالدرجة الأولى حاجات الإنسان الواقعية والحقيقية وقدم حلولا لمشاكله بطريقة أسرع وأفضل. واليوم وصل الأمر بالرئيس الجديد لمايكروسوفت الذي خلف بيل غيتس إلى أن يصف المرحلة الجديدة في عمر مايكروسوفت بأنها المرحلة التي يفهم فيها الحاسوب الإنسان لا المرحلة القديمة التي فهم فيها الإنسان الحاسوب.

أما عملاق المعرفة الرقمية بيل غيتس وأغنى رجل في العالم، فهو مشغول بمشاريعه الخيرية التي تهدف إلى معالجة أمراض الأطفال في أفريقيا. وهؤلاء الأطفال لا توزع عليهم أقراص مدمجة يبتلعونها بدلا من الدواء وإنما توزع عليهم حبات دواء حقيقي، لا افتراضي.

من يوصفون في بلادنا بأنهم "ديجتال" (رقميون) لا علاقة حقيقية لهم بالمعرفة الرقمية، أو الاقتصاد الرقمي، يستخدمون الأشكال التقنية الحديثة لتمرير سياساتهم وأجنداتهم. والبلاد بحاجة إلى مسؤولين حقيقيين ومعارضة حقيقية حتى تتمكن من حل المشاكل المزمنة اقتصاديا وسياسيا.

جميل أن يكون لدينا نشطاء على الشبكة العنكبوتية، يناكفون ويعارضون، والأجمل أن يكون على الأرض، في مجلس النواب وفي الشارع معارضة حقيقية. تخيل أن مجلس النواب سيعقد جلسة الخميس المقبل مع الحكومة لمناقشة بيع الأراضي! يعني بعد حوالي شهر من طرح الموضوع في الإعلام. وقد يفاجئنا نواب شبابيون واعدون بعمل مجموعة على الفيس بوك احتجاجا على تباطؤ الحكومة في إنجاز الصفقة العقارية الكبرى التي ستحل مشاكل الأجيال المقبلة.

بقيت طرفة أخيرة، عندما أبلغني ناهض حتر المرشد العام لحركة اليسار الاجتماعي باعتقال الثلاثة فوجئت أن أولهم علاء الفزاع كان قد شن حملة علي في الفيس بوك لأني منحاز ضد اليسار! وعزيت نفسي بأنها حملة إلكترونية ولم تصل إلى مستوى الحملات الحقيقية التي تعرض فيها زملاء إلى ضرب مشارط! ولتبق المعارضة إلكترونية أفضل.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب على مقالك عن الإضراب (idrab)

    الأربعاء 7 أيار / مايو 2008.
    صباح الخير،
    كلنا قرأنا مقال حضرتك عن الإضرب ولاحظنا الآتي:
    ١- ما كان عليك مقارنة اضربنا العظيم الشريف بقصة حب الكترونيه مع هيفاء وهبه ولو كان ذلك من باب التشبيه..فنضال بلد بأكمله وجوع الآلاف لا يقارن بهذه الطريقة يا أستاذ ياسر.
    ٢- أخطأت عندما أقرنت اضربنا بحركة اليسار الاجتماعي، فالحركة دعمت وسندات مشكورة ولكن اضربنا شعبي شعبي شعبي ولا صلة له بأي حزب أو حركه أو تنظيم.
    ٣- علاء فزاع وغيره وأنا منهم قد هاجمناك وذلك لأنك لم تستجب لطلبتنا الكثيرة والمتكررة لك بتغطية اضربنا..الصحافي والإعلامي لا يجب أن ينتظر حدث كبير يهز البلد لكي يتحرك.. فأنت لم تقل شيئاً إلا بعد إعتقال النشطاء وبعد إنتهاء الإضراب وهذا ليس المفهوم الحقيقي للصحفي الصادق.
    شكراً
  • »مقال ممتع (محمد فارس الاسكندراني)

    الأربعاء 7 أيار / مايو 2008.
    دائماً نستمتع بقراءة مقالاتك. هذا المقل يعكس ذكاءاً متقداً.
  • »موقف الكاتب (عصام)

    الأربعاء 7 أيار / مايو 2008.
    - لا أعرف كيف بنى الكاتب موقفه الساخر هذا، هل بتأثير مرجعيته "الإخوانية"، أم من حساسيته اتجاه مناضل أعتقل و هو يعمل على الأرض بين الناس.
  • »أموات (سيما رمزي)

    الأربعاء 7 أيار / مايو 2008.
    بتكنولوجيا أو دونها فمن الواضح أنناهنا نعاني من حالة جمود حينما يتعلق الأمر بالتعبير عن الرأي أو الاحتجاج السلمي. لا وجه مقارنة بين الناس في الغرب (العالم المتحضر صانع التكنولوجيا) وبين الناس هنا. هناك صوت وهنا صمت. هناك أحياء وهنا أموات بما فيهم الوسط الصحفي والكاتب وحتى أنا، لا استثناء. لا شعر لا موسيقى لا أدب لا مسرح لا سينما لا تلفزيون لا ... سلامتك وتعيش! صمت القبور!
  • »تناما كافتراض الصحفي لحوريته (خليل)

    الأربعاء 7 أيار / مايو 2008.
    الى الاستاذ ياسر
    اعجبني قولك في الجزئيات الافتراضيه و يعجبوني الافتراضيات الصحفيين في حرياتهم الصحفيه افتراضياتكم مبرره لكم كصحفيين طبعاوذالك لتامين الرضا عن الذات لانني افترضت انا بانكم على قدر من الوعي و الثقافه الكافيين بهاذا الاحتياج بنائا على فرضيتي بانكم مثقفين كما و افترضت انكم مثال للرجل الحر خصوصا بعد نتائج الئحصائيه عن مراقبة الصحفيين الذاتيه يحضرني المثل الشعبي (يلي بتقرصه الحيه بخاف من جرت الحبل)