مستقبل الوجود الاميركي في العراق

تم نشره في السبت 3 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

تتسارع الايام والاحداث باتجاه نهاية عام 2008 حيث ستنتهي بنهايته ولاية الرئيس بوش، رئيسا للولايات المتحدة للمرة الثانية، وربما ستنتهي ايضاً ولاية الجمهوريين لقيادة اميركا في المرحلة القادمة. وهناك تخوف كبير لدى الجمهوريين من هذه النهاية غير السعيدة بخاصة ان المشروع الاستراتيجي الاميركي في العالم، والذي يتزعمه الجمهوريون بقيادة الرئيس بوش، اثبت فشله ولم يحقق نجاحاً واضحاً لاميركا.

فالحرب في العراق لا زالت مستمرة منذ خمس سنوات والتي ارادتها اميركا حرباً خاطفة تحقق فيها اهدافها باسقاط نظام صدام وبناء استراتيجيتها في المنطقة بتكثيف وجودها لحماية مصالحها. هذه الحرب التي كلفت الخزينة الاميركية مئات البلايين من الدولارات والخسائر البشرية، ولم تحقق اية نجاحات لما زعمت من مبررات الحرب على العراق.

فقد استقبل الشعب العراقي القوات الاميركية بمقاومة تتعاظم يوماً بعد يوم. وبفوضى وحرب داخلية وعدم استقرار في المنطقة كلها. واصبح النموذج العراقي الجديد عنواناً لوجه اميركا الكالح في المنطقة والنموذج الكارثي للمشروع الاميركي الذي بشرت به الادارة الاميركية لتغيير وجه العالم بالوسائل العسكرية بعد ان ثبت فشلها في تغييره بالوسائل السلمية والسياسية. وقل مثل ذلك ما حصل ويحصل في افغانستان.

لذا فإنّ اخفاق المشروع الاميركي في العراق اصاب الاسس الفكرية لسياسات المحافظين والليبراليين الجدد في اميركا اصابات بالغة والهادفة الى تقديم نموذج للدول الكبرى في كيفية التعامل والتدخل بشؤون الدول الصغرى والنامية فقد ثبت فشل الوسائل العسكرية في احداث هذا التغيير. ولم يعد هذا النموذج صالحاً للاقتداء به واستعماله في مواقع اخرى.

ومن هنا يأتي السؤال؛ كيف سيكون مستقبل الوجود الاميركي في العراق في ظل تعقيدات الوضع العراقي والنتائج القادمة التي آل لها الوضع فيه من تشرذم وتفتت واقتتال. ولذا فان الادارة الاميركية الحالية تسعى لحفظ ماء وجهها من جهة، وتحاول - من جهة اخرى- تحسين موقفها الانتخابي القادم امام الديمقراطيين لدى الناخب الاميركي.

لقد سعت الادارة الاميركية الى محاولة تبييض صفحتها في العراق واستمرار وجودها فيه وقطف بعض الثمار تعويضاً عن حربها وخسائرها المادية والبشرية فيه، وذلك في خطوة استباقية قبل انتهاء مدة ولاية الرئيس بوش في نهاية هذا العام بابرام اتفاقية تعاون وصداقة طويلة الامد بين الولايات المتحدة وجمهورية العراق.

تقوم هذه الاتفاقية اساساً على مبدأ التعاون والصداقة الطويلة حفاظاً على مصالحها المشتركة، وعلى الاعتراف بضرورة الوجود الاميركي في المنطقة حفاظً على الامن والسلام في العراق وفي المنطقة كلها، وبدوام وجود قوات اميركية عسكرية في العراق وخاصة ان يوم 31/12/2008 هو موعد انهاء العمل بالتخويل والتفويض الممنوح للقوات متعددة الجنسيات في القرار رقم 1980 الصادر عن مجلس الامن الدولي وفقاً لنص الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة, وتماشياً مع اعلان مبادئ الصداقة لتعاون وصداقة طويلة الاجل بين الولايات المتحدة والعراق الذي تم التوقيع عليه في 26/11/2007م وتشمل هذه الاتفاقية مجالات التعاون في الشؤون الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والامنية.

ويأتي التعاون الاقتصادي، من اهم بنود هذه الاتفاقية، التي تضمن تدفق الاستثمارات الاجنبية الى العراق للمساعدة في بنائه واعادة تعميره ومساعدته لاطفاء ديونه الدولية ومساعدته ايضاً في جهوده للبحث ولاستعادة اموال وممتلكات صدام والاسرة الحاكمة التي جرى تصديرها خارج البلاد بصورة غير مشروعة. ومساعدة العراق في دمجه مع محيطه العربي والدولي.

وكذلك التعاون في مجالات الدفاع والامن وذلك بالموافقة على ابقاء قوة ردع اميركية في العراق لحفظ امن العراق والمنطقة. ولتنفيذ هذه الاتفاقية يصار الى تشكيل لجان عمل مشتركة مسؤوليتها الاشراف على تنفيذ بنود هذا الاتفاق.

ان هذه الاتفاقية تهدف بشكل واضح لاستمرار الوجود الاميركي في العراق وشرعنته بحيث يبدو وجوده على انه بموافقة العراق ولمصلحة المنطقة بأسرها. كي لا تستطيع اي حكومة عراقية قادمة الغاء هذا الاتفاق كما لا يستطيع الحزب الديمقراطي في اميركا التنصل منه فيما اذا نجح في الانتخابات القادمة.

ومن المفروض ان يبدأ العمل بهذه الاتفاقية قبل نهاية هذا العام, ولعل الطلب الاميركي من دول الجوار للعراق بارسال مبعوثيها الدبلوماسيين لبغداد والضغط على الدول الدائنة له باطفاء ديونها عليه حيث استجابت بعض الدول العربية الدائنة. لذلك كما ان مهاجمة الميليشيات الصدرية من قبل القوات العراقية باسناد من القوات الاميركية هو لتعزيز موقف الحكومة العراقية ما يساعدها على تنفيذ هذه الاتفاقية ويعطيها قدرة على ذلك ويولد قناعة لدى الشعب العراقي بأن هذه الاتفاقية تأتي في صالحه.

المراقب العام السابق لجماعة الاخوان المسلمين

التعليق