نحو نموذج أردني من "اقتصاد السوق الاجتماعي"

تم نشره في الأحد 27 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

النقاش الساخن، وأحياناً الخشن، حول السياسات الاقتصادية الأردنية، والذي تصاعد مؤخراً، يكشف النقاب عن أننا بحاجة إلى إعادة بناء توافق وطني، ليس فقط حول سبل مواجهة الضائقة الاقتصادية الاجتماعية الراهنة، وإنما ايضاً حول الحاجة إلى حوار صريح حول طبيعة وخصائص الاقتصاد الوطني الذي نريد، ونمط التنظيم الاقتصادي المنشود، والذي تشتق عنه السياسات والبرامج الحكومية وتبنى عليه القرارات ذات الأهمية القصوى فيما يخص وجهة تطوره المستقبلية.

لن نشير إلى نقاط الاختلاف الخاصة بالسياسات، فهي معروفة للجميع: من سياسة رفع الدعم الحكومي عن المحروقات والأعلاف وغيرها؛ إلى الموقف من الخصخصة وعوائد بيع حصص الحكومة لعدد من مؤسسات القطاع الخاص؛ مروراً بالموقف من الاستمرار بربط سعر صرف الدينار بالدولار الأمريكي.

وقد أضاف الغموض الذي أحاط بعدد من العقود التي أبرمتها الحكومة أو التي هي بصدد إبرامها مع مستثمرين خارجيين، بعداً اضافياً على النقاش الساخن أو الساخط. فغياب الشفافية أو تدنيها، والتعامل مع الأراضي والممتلكات العمومية بعقلية "البزنس"، مع ما تنطوي عليه أحياناً من تكتم وغموض، قد زاد أزمة الثقة اشتعالاً. وباختصار، وتبعاً للسجال العام، كما نطالعه في الصحف والمنتديات، فإننا لسنا فقط مختلفين وانما أيضاً منقسمون، وكأن المطلوب العودة إلى إعادة تعريف البدهيات والتوافق عليها.

يقودنا هذا المناخ العام إلى النقطة التي افتتحنا بها هذه المقالة، الا وهي إعادة بناء التوافق الوطني على طبيعة الاقتصاد الأردني والنظام الاقتصادي الملائم لبلدنا. إذ ليس سراً أن اقتصادنا كان يوصف يوماً بأنه اقتصاد مختلط، أي مزيج من اقتصاد السوق حيث للقطاع الخاص حرية الانتاج والمبادرة، والاقتصاد الموجه، حيث للقطاع العام (وبالأحرى القطاع الحكومي) دور كبير في التوجيه الاقتصادي، فالدولة الأردنية كانت لا تكتفي بدورها في التخطيط والتشريع والتنظيم، وإنما كانت أيضاً منغمسة في إدارة عدد من مؤسسات القطاع العام، ولديها مساهمات كبيرة في عدد من الصناعات الاسترتيجية.

ومنذ نهاية التسعينات، وفي ظروف اتسمت بتراجع العملية الديمقراطية والمشاركة السياسية، بل وبقدر لا يستهان به من القطيعة والتشنج في العلاقة بين الحكومة والمعارضة (ومعها عدد كبير من الشخصيات العامة وقادة منظمات المجتمع المدني)، نقول في هذه الظروف اندفع الأردن في عملية الانفتاح الاقتصادي والانخراط في العولمة. وقامت الحكومة بالاعتماد على برلمان طيع بتعديل التشريعات أو وضع تشريعات جديدة، هدفها تحرير الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار وتعزيز القدرات الانتاجية والتنافسية. لكن هذه النقلة الراديكالية للاقتصاد الأردني من طبيعته كاقتصاد مختلط إلى اقتصاد سوق وجدت تعبيرها الأوضح خلال النصف الاول من العقد الحالي، وتزامنت مع تولي جلالة الملك عبدالله الثاني مسؤوليات العرش.

دعونا نعود قليلاً إلى الوراء. فقد كان الاقتصاد الأردني في السنوات الأخيرة من التسعينات يعاني من تراجع حاد في معدلات نموه السنوي، وفي الحقيقة كان النمو في تلك السنوات سالباً. كذلك كان الأداء الحكومي في أضعف مستوياته، كما تكشفت عنه عدد من الأزمات، لعل أشهرها تلوث مياه عمان. وقد تم استثمار التعاطف الدولي والاقليمي مع الأردن بعد وفاة المغفور له الملك الحسين، من أجل تسوية ديون الأردن الخارجية وفتح الأبواب أمام تدفق الاستثمارات الأوروبية والأميركية والعربية، وفك أجواء الفتور (بل والعزلة) الاقليمية التي كانت تحيط  الأردن.

وبكلمات أخرى فقد حقق الأردن اختراقات نوعية في تلك السنوات، وبدأ الاقتصاد الأردني لأول مرة يتحرر نسبياً من العقد التقليدية التي كنا نلوكها لسنوات طويلة، من مثل "تأثر النمو الاقتصادي بالأوضاع الاقليمية" التي بقينا أسرى لها، بسبب التشابك والاعتماد المفرط على اسواق الدول العربية، والتي كانت تتأثر بالتقلبات السياسية والحروب والتوترات المستمرة.

الذي حصل هو أن العقول والسياسات الاقتصادية استكانت لمعطيات ذلك الاعتماد المفرط على الأسواق المحيطة بنا، برغم حساسيتها للتقلبات والأوضاع السياسية، وانتهجت سياسة انتظارية تسليمية "بقدر" نمط العلاقات التجارية الأردنية العربية الجامد.

 ومن هذا المنطلق فإن اتجاه الاقتصاد الأردني نحو العولمة والشراكة مع اوروبا والولايات المتحدة، والسعي لتعظيم القدرات الإنتاجية والتنافسية، كان اختراقاً هاماً ونوعياً، ترك بصماته الواضحة على الاقتصاد الأردني. وفي غضون ذلك، يجب أن لا ننسى أن الأردن نجح في تصويب عدد من الاختلالات الهيكلية الخارجية لاقتصاده الوطني، فتدنى عجز الموازنة وزاد الاعتماد على الايرادات الداخلية، وتراجعت مكانة المساعدات في تمويل الموازنة العامة. وخلال السنوات القليلة الماضية تنامى الفائض في الحساب الجاري لميزان المدفوعات، وارتفع حجم احتياطات المملكة من العملات الأجنبية.

إذن أين المشكلة؟ ولماذا عدنا القهقرى خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ولماذا يجب أن نعود مجدداً لبناء توافق وطني حول وجهة ونمط الاقتصاد الأردني اليوم ؟!

يجب الاقرار أن الوجهة العامة التي انتهجتها السياسة الاقتصادية الرسمية، منذ نهاية التسعينات هي وجهة صحيحة. فسياسة الانفتاح وتشجيع القطاع الخاص على لعب أدوار أكبر وخلق الحافزية له للمبادرة والتحرك، وكذلك التوجه نحو تخفيف حمولة الدولة وتخليها عن لعب دور مباشر في العملية الانتاجية، بما في ذلك الإدارة المباشرة للشركات والمؤسسات المملوكة للحكومة، حققت نتائج ايجابية ملموسة. لكن في الوقت نفسه، يجب الإقرار ان كامل عملية التحول نحو الانخراط في العولمة وتهيئة الاقتصاد للتحول نحو اقتصاد سوق منفتحة، قد اعتُمدت ونفذت في ظروف اتسمت بغياب الحوار الوطني، وفي ظل برلمان متساهل (بعد 1997 و حتى 2001) أو في غياب هذا البرلمان (2001/ 2003 )، حيث تمت شرعنة قوانين الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار والانخراط في العولمة من خلال عشرات القوانين المؤقتة، دون وجود حوار حقيقي ودون مفاوضات اجتماعية داخلية. ولذلك لم يقع اتفاق وطني حول أي نمط أو نموذج من "اقتصاد السوق" الذي يلائم الأردن، وما هي حدود دور الدولة في "تصحيح" الآثار الاجتماعية المترتبة على حرية السوق.

وإذا كانت الوجهة العامة صحيحة، فإن ذلك لا يعني أن التطبيقات العملية والتفصيلية كانت صحيحة بالضرورة. وتماما، كما نفذت خطة الانخراط في عملية السلام وتم التوقيع على اتفاقية وادي عربة بغتة، وفي عملية ظلت فوقية وأسيرة نخبة مختارة من السياسيين والفنيين، تم الانضمام إلى منظمة التجارة الحرة (WTO) وإلى اتفاقية الشراكة الأورو- المتوسطية والاتفاقية الخاصة بالمناطق الصناعية المؤهلة (QIZ) واتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وبيعت حصص الحكومة في الشركات الوطنية الكبرى مثل البوتاس والفوسفات وشركة "أمنية" للاتصالات وغيرها. اقول- لقد تم ذلك كله بمعزل عن أي حوار أو تفاهم اجتماعي، بل ان منظمات الأعمال "استقبلت" الاتفاقيات الخاصة بالانخراط في العولمة، مثل بقية المواطنين، وبعيداً عن أي مشاركة أو مناقشة مسبقة لآثارها المباشرة أو المتوسطة على القطاع الخاص!

الخلاصة التي نود الوصول اليها، هي أن هذه السياسات، حتى لو كانت صحيحة من الوجهة العامة، الا انها لم تخضع لمناقشة المعنيين بها، ولم تحصل على توافق اجتماعي ووطني حولها. ولذلك فإن النقاش الراهن يستعيد اليوم كل تفصيلة وكل انعطافة في مسار السياسات الاقتصادية الحكومية، ليضع حولها علامات الاستنكار أو التعجب. ويحدث ذلك ببساطة لأن التحول بالاقتصاد الأردني من نمط أو نموذج إلى آخر لا يتم "اختطافاً"، بمعزل عن أصحاب المصالح الحقيقيين الذين هم المواطنون الأردنيون، ولا يجوز لمثل هذا التحول أن يقفز، فجأة، عن التاريخ الخاص للتطور الاقتصادي - الاجتماعي أو البنية الاجتماعية التي تشكلت تحت تأثير نمط وبنية الاقتصاد الوطني.

وكما هو حال المجتمعات الأخرى التي تنتقل من وضعية تاريخية إلى أخرى، فإن الأردن، هو الآخر، كان ولا يزال مدعواً لخوض غمار حوار واسع، ليس فقط حول مبدأ التحول إلى اقتصاد السوق، وإلى الإندماج في العولمة، من موقعه الضعيف كبلد من العالم الثالث، وإنما أيضاً حول سبل ومراحل هذا الانتقال، وقبل كل شيء، حول أي نمط من اقتصاد السوق يحتاجه الأردن، وما هي الضوابط وآليات التصحيح التي يجب اعتمادها، من أجل توفير التوازن السليم ما بين اقتصاد السوق وما بين العدالة الاجتماعية.

في المانيا الاتحادية جربوا ما يسمى "باقتصاد السوق الاجتماعي" في مرحلة بناء المانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعندما أُدمجت المانيا الشرقية بألمانيا الاتحادية، جرى التوحيد أيضاً على أساس مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي، التي هي حصيلة فكر الحزب الديمقراطي المسيحي وفلسفته الاقتصادية. ومع أن الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الخضر لا يتفقان معه على هذه المبادئ، إلا أن المهم في هذه التجربة من وجهة نظر معاصرة، ومن عالم الجنوب تحديداً، انها تطرح مسألة تصميم واختيار نموذج لاقتصاد سوق منضبط للتوازنات الاجتماعية والمعايير الأخلاقية وواجبات وأدوار محددة للدولة تجاه المجتمع.

لسنا هنا لاقتراح اقتباس نموذج "اقتصاد السوق الاجتماعي" من المانيا، وإنما نحن هنا بصدد الحوار حول نظامنا الاقتصادي الملائم للأردن، والتراجع عن اسلوب "اختطاف" اقتصادنا من طابعه المختلط إلى طبعته المعولمة، من دون حوار وتفاوض اجتماعي ديمقراطي مستند إلى معرفة، وإلى توازن المصالح.

hhourani@ujrc-jordan.org

التعليق