محمد أبو رمان

هل نجح الأردن في "التحدي الأمني" العراقي؟

تم نشره في السبت 26 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

استطاع الأردن التكيف إلى درجة كبيرة مع التحولات الإقليمية الناجمة عن احتلال العراق، وتجاوزت الحكومة الكثير من المشكلات والمعضلات التي واجهتها مع المرحلة الأولى من الاحتلال، وأحدثت اختراقاً استراتيجياً في الجانب الأمني وفي المجال السياسي، بخاصة العلاقة مع المجتمع السني ومع الأكراد، ومع أنّ العلاقة مع القوى الشيعية لم تتحسن كثيراً إلاّ انّها أفضل من المراحل الأولى.

فمنذ احتلال العراق في إبريل 2003، أصبح هذا الجار الذي يقع على طول الحدود الشرقية للأردن أحد أبرز مصادر التهديد والخطر الأمني، جرّاء تحوله لمركز إقليمي لشبكة القاعدة والتي كانت تتمتع خلال عامي 2005 و2006 بنفوذ كبير في العديد من المناطق السنية العراقية، ويقودها الزرقاوي الذي يُعدُّ أحد أبرز المطلوبين لجهاز المخابرات العامة وللمخابرات الأميركية.

وشهدت مصادر تهديد الأمن القومي الأردني تحولاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. فبعد احتلال العراق انقلب التحدي الأمني بصورة كاملة، ووجدت المخابرات الأردنية نفسها أمام واقع جديد، أصبحت فيه شبكة القاعدة، تمتلك حاضنة اجتماعية ونفوذاً عسكرياً في الجوار، وتُصدِّر أفراداً من جنسيات عربية للقيام بعمليات ضد الأردن، ولا توجد عنهم مصادر بيانات، ويمتلكون تقنيات وأدوات جديدة غير معهودة في "المعادلة الأمنية الأردنية".  

لقد شكّلت تفجيرات عمان (9-11-2005) نقطة تحول في الاستراتيجية الأمنية تجاه العراق، إذ اعتُمِد مبدأ "الضربة الوقائية" التي تقوم على استباق ضربات القاعدة وهجماتها بجهود أمنية داخل الأراضي العراقية، وعزّز الأردن لذلك ما سمي بكتيبة "فرسان الحق"، وهي قوات تابعة لدائر المخابرات العامة، تقوم بمهمات قتالية، وكان لها دور في اعتقال أحد أعضاء القاعدة (زياد الكربولي). ووفقاً لتصريحات مسؤولين أميركيين وأردنيين فقد ساهمت الأجهزة الأمنية الأردنية في عملية تعقّب الزرقاوي ومقتله في حزيران 2006.

ترتب على ذلك أنّ "قاعدة العراق" بدأت تعيد ترتيب أولويّاتها بعد الزرقاوي، وأصبحت عملية إدارة المنظمة في العراق، التي تعمل وفق آلية شديدة السيولة، تتقدم اهتمامات القيادة الجديدة، بالإضافة إلى التركيز على علاقة القاعدة مع المجتمع السني، والتي تدهورت ووصلت فيما بعد إلى مستوى الصراع المسلّح مع الفصائل السنية المقاومة الأخرى، ثم مجاميع الصحوات العشائرية.

لكن التفكير الاستراتيجي الأمني الأردني يتجاوز القاعدة إلى قراءة التغيرات المتوقعة في البيئة الأمنية الإقليمية ويقدّر أنّ النفوذ الإيراني في العراق يشكل تحدِّياً استراتيجياً. فوفقاً للقراءة الاستراتيجية فإنّ الأردن سيكون أمام خطر استراتيجي - في حال انسحبت القوات الأميركية وتعززت الفوضى الأمنية والسياسية في العراق؛ وأصبح احتمال تدفق ما يُقدّر بمليوني لاجئ عراقي جديد إلى الحدود مطروحاً بقوة-، في ظل سيطرة كانت متوقعة للقاعدة على مناطق الأنبار المحاذية للأردن، ووجود خطوط اتصال جغرافي مباشرة مع النفوذ الإيراني في العراق، لأول مرّة.

ووفقاً لهذه القراءة الاستراتيجية الرسمية؛ فإنّ مواجهة الواقع الجديد أو استباقه بترتيبات معينة ستضع الأردن أمام احتمالين اثنين؛ الأول أن يرسل قواته إلى مناطق الأنبار لتأمين الجبهة الشرقية ومنع مصادر التهديد والخطر من الوصول إلى حدوده، والعمل على حماية الأمن في تلك المناطق، لضمان عدم تدفق اللاجئين إليه. أمّا الاحتمال الثاني فهو أن يدعم الأردن ترتيبات أمنية في المناطق السنية، بخاصة مناطق الأنبار، ما يؤدي إلى وجود جدار حماية عراقي للأمن الأردني، ويحول دون تورط العسكر بصورة مباشرة في العراق، بما في ذلك من تعقيدات عسكرية وسياسية وقانونية.

هذا التفكير أدى إلى مساهمة الحكومة الأردنية في دعم فكرة الصحوات العشائرية، والتي تشكل قفزة أمنية استراتيجية أردنية تحقق أهدافا متعددة ورئيسة؛ فهي تساهم أولاً – وقد حدث ذلك فعلاً- في الحدّ من قوة القاعدة ونفوذها، ما يقلل العبء الأمني الأردني. ثانياً، توفر الصحوات حليفاً وسنداً عراقياً- سُنيّاً للأردن في مواجهة النفوذ الإيراني (القوى الشيعية الموالية لطهران)، وتُوفر حاجزاً جغرافياً وأمنياً عازلاً عن الملاصقة المباشرة للتهديد الإيراني.

ويستثمر الأردن في ميزة حيوية وهي أنّه أصبح مكاناً للعديد من القوى السياسية والشخصيات السنية العراقية للقاء والمكوث والاجتماع بعيداً عن الحالة الأمنية المتدهورة هناك. وبرغم أن دمشق لا تزال – إلى الآن على الأقل- مركزاً للعديد من قادة الفصائل السنية المسلّحة إلاّ انّ علاقة دمشق بطهران تشكل إحدى المعضلات أمام العديد من قادة الفصائل السنية هناك، بخاصة بعد بروز قناعة لدى عدد من هذه الفصائل بأولوية مواجهة الخطر الإيراني على الخطر الأميركي، وهو ما يشكل مفترقاً حقيقياً لعلاقة دمشق بالقوى السنية المقاومة، ويمكن أن يؤدي، مستقبلاً، إلى خروج قادة هذه القوى من دمشق.

بيد أنّ الانجاز الأردني مرتبط بصورة وثيقة بتطور الأوضاع في العراق. فإذا تدهورت الأوضاع الأمنية مرة أخرى، على خلفية المعادلة الداخلية أو التطورات الإقليمية، فإنّ خطر القاعدة والمجموعات المتطرفة "الشيعية" سيعود محدقاً وأكثر قلقاً. أمّا إذا استعادت العملية السياسية عافيتها وتطورت مشاركة السنة فيها فإنّ مصادر التهديد سوف تكون في حدود غير مذكورة، وسوف تتطور العلاقة السياسية إيجابياً بين البلدين.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »take care from the west border (mahmood)

    السبت 26 نيسان / أبريل 2008.
    my friend,dont forget the west border of jordan