لماذا تتردد دول الجوار في التعامل مع العراق؟

تم نشره في السبت 26 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

إجمالاً، أضفى المؤتمر الأخير لدول الجوار العراقي الذي عقد قبل أيام في الكويت، جواً من الحيوية والتفاؤل على واقع العلاقات المستقبلية بين العراق وجواره الإقليمي. لكن المؤتمر الذي أمل منه الأميركيون والعراقيون الكثير، أخفق، في مطافه النهائي، في تحقيق أهدافه الأساسية. يشار الى أن الأهداف تمثلت في جملة قضايا أهمها إعادة التمثيل الديبلوماسي لدول الجوار الى بغداد وشطب ديونها وتعويضاتها المترتبة على العراق جراء حروب نظامه السابق.

في الواقع، تتباين الأسباب والمسوغات التي تسوقها دول الجوار، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتبرير حالة تباطئها. فهي تتذرع، من جهة، بسوء الحالة الأمنية في العراق. وتشير، من جهة ثانية، الى صعوبة شطب التعويضات نتيجة إرتباطها بقرارات صادرة عن مجلس الأمن. ومن جهة ثالثة، تغمز من قناة الثغرات والنواقص التي تكتنف العملية السياسية العراقية.

في هذا المنحى، يصح القول إن دولاً مجاورة عدة لا تشعر بحماس كبير لإعادة تمثيلها الديبلوماسي الى بغداد بسبب الظرف الأمني الخطير الذي يمر به العراق. فالعملية الإرهابية التي استهدفت سفارة المملكة الأردنية الهاشمية في بغداد وعملية اغتيال الديبلوماسي المصري بعد خطفه من قبل مجهولين، إضافة الى القلعة المنيعة التي بنتها الولايات المتحدة لسفارتها وديبلوماسييها في العاصمة العراقية، تشكل أمثلة صارخة على صعوبة الاداء الديبلوماسي في بلاد تسيطر عليها أعمال عنف دموية متواصلة يصعب استشفاف إنعكاساتها المستقبلية.

يصح، أيضاً، أن دول الجوار التي أثقل النظام العراقي السابق كاهلها بالديون والدمار الاقتصادي والبشري، بسبب مغامراته غير المحسوبة، يصعب عليها شطب ديونها ومستحقاتها المالية أو تعويضاتها بسبب حالتها الاقتصادية الصعبة وحاجتها الماسة الى المال للوفاء بالتزامات تنميتها الداخلية. دول في الجوار، مثل إيران والكويت، بمثابة ضحايا مباشرة لسياسات النظام العراقي السابق. أما الحاجة الى التعويضات في هذه الدول فلا صلة لها سوى بإعادة بناء ما دمّرته حروب العراق. لهذا، يصعب على هذه الدول هضم فكرة شطب تعويضات لها ناتجة عن حروب عراقية لتعويض ما دمرته حرب أميركية في العراق.

كذلك يصح، أن دولاً في الجوار ترى في أي استعداد تبديه لإعادة تمثيلها الديبلوماسي الى العراق، حالة ترتبط بمدى استعداد بغداد للتواصل مع كافة العراقيين وإشراكهم في العملية السياسية دون تغييب طرف على حساب أطراف أخرى. فهذه الدول، في المطاف الأخير، تتأثر بحالة العراق الداخلية وبطبيعة نظامه السياسي ومواقع تكويناته في مؤسسة الحكم. فيما الحال على هذه الشاكلة، من الطبيعي أن تطمئن هذه الدول على سلامة الحالة الوطنية في العراق قبل أي تطبيع كامل معه. 

لكن هذه الأسباب، في المحصلة النهائية، تظل أسباباً تفصيلية عامة لا تحمل في طيّاتها أهمية كبيرة. أما الأسباب الحقيقية والمحددة لفتور مواقف دول الجوار إزاء التعامل مع العراق، فيمكن إجمالها في ثلاث نقاط رئيسة، الأكيد أن أحداً لم يتحدث عنها، على الأقل في العلن، في مؤتمر دول الجوار العراقي:

أولاً، رغم الدماء ودخان التفجيرات، هناك تجربة ديمقراطية وتعددية ودستورية في طريقها الى النمو والازدهار في العراق. هذه التجربة رغم ثغراتها وعيوبها، فإنها أصبحت تشكل مصدراً لمخاوف أنظمة عدة في المنطقة. فالانتخابات الحرة وتداولية السلطة والفيدرالية والفصل بين السلطات وقوانين النفط والاستثمار بعض من هذه التجربة. لهذا فإن أي تعاون حقيقي أو تبادل ديبلوماسي وأي ترسيخ لمبدأ التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية المشتركة مع العراق، قد يفضي الى نشوء مصدر أساسي لتسرب هذه التحولات الى داخل الأنظمة المجاورة. وهذا، في حد ذاته، كاف لإصابة عزائم الكثيرين في المنطقة بالفتور والتباطؤ.

ثانياً، يشكل العراق في وضعه الراهن نموذجاً أميركياً ووعاء كبيراً للوجود العسكري والسياسي الأميركي. بل إن الذهن العربي العام، بفعل عوامل تاريخية وسياسية عدة لا أقلها الموقف الأميركي إزاء اسرائيل، أصبح لا يرى في أي تعاون مع عراق من هذا النوع سوى تعاوناً مع الأميركيين وانخراطاً في مخططاتهم ومؤامراتهم ضد العرب والفلسطينيين. وحيث أن أنظمة في الجوار تتميز بارتعابها الكبير من شارعها الداخلي، فإن من الطبيعي أن تتملص من أي تعاون مع الحالة العراقية حتى إذا أُعتبرت ضمن حلفاء الولايات المتحدة.

ثالثاً، تتحدث دول عربية ومجاورة عدة، على الأقل في أروقتها الخاصة، عن معادلة غير صحيحة مفادها أن أي دخول ديبلوماسي الى العراق سيجرّ الى مواجهات سياسية وديبلوماسية مع إيران. السبب في هذا، قناعة تلك الدول بالدرجة الكبيرة بتغلغل إيران في العراق ورغبتها في الاستفراد بالساحة العراقية بغية تصفية حساباتها مع الولايات المتحدة. هنا أيضاً، تتجنب تلك الدول أي تعاون سياسي وديبلوماسي جدّي مع العراق لئلا يُفسر موقفها بأنه تورط في السياسات الأميركية ضد إيران.

هل تفعل دول الجوار حسناً بمحاولتها النأي بنفسها عن العراق؟ الأرجح أن الجواب عن سؤال كهذا يظل موضع أخذ ورد. لكن الذي لا يقبل الجدل أن وراء تردد تلك الدول اسباب غير التي تحدث عنها وزراء خارجيتها وممثلوها في جلسات مؤتمر الكويت.

* وزير سابق وسياسي كردي

التعليق