ايران القوية لا ايران التوسعية

تم نشره في السبت 26 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

ايران هي واحدة من الدول الاقليمية الرئيسة في المشرق العربي الاسلامي، اذ تبلغ مساحتها 1.67 مليون كم، وتحتل بذلك الموقع الثامن عشر بين دول العالم مساحة، تفوقها في ذلك كل من السودان والجزائر والسعودية وليبيا، لكن موقع ايران الجغرافي هو الاهم، اذ تشترك مع حدودها تركمانستان واذربيجان وتركيا وارمينيا والعراق وافغانستان وباكستان، كما تطل على الخليج بساحل طويل، ما يجعل منها شريكا في التحكم بمضيق هرمز.

طبقا لأرقام 2006 يناهز عدد سكان ايران 70 مليون، ولا تتفوق عليها من دول الجوار سوى مصر (75 مليون)، وتركيا (73 مليون)، وهي رابع اكبر منتج للنفط بعد السعودية وروسيا والولايات المتحدة، وهي سادس اكبر منتج للغاز. ولكن تقديرات احتياطيها للنفط تضعها في المرتبة الثانية عالميا بعد السعودية، وقد بلغ الدخل القومي الايراني (223) بليون دولار ليحل بذلك موقعا متخلفا عن تركيا (402) بليون دولار، ويصل الى اكثر من ضعف دخل مصر القومي (107) بليون دولار.

وتعتبر ايران بين اعلى 30 دولة انفاقا عسكريا في العالم، اذ وصلت نفقاتها الدفاعية طبقا لارقام 2005 (5.2) بليون دولار، ولم تتفوق عليها في هذا المضمار بين دول المنطقة سوى تركيا (11.7) بليون دولار، واسرائيل (9.8) بليون دولار، ولكن التكلفة المنخفضة نسبيا للجيش الايراني اتاحت لايران الاحتفاظ بثامن اكبر قوة عسكرية في العالم (545) الف جندي نظامي و(350) الفا من الاحتياط، بعد الصين والولايات المتحدة والهند وكوريا الشمالية وروسيا وكوريا الجنوبية وباكستان.

الى جانب هذا الثقل العسكري التقليدي الكبير؛ فإنها تتعهد برنامجا نوويا منذ نهاية الثمانينيات، ولم يكشف عنه الا قبل سنوات قليلة، ولديها مفاعل نووي في ابوشهر يوشك على بدء العمل لاهداف سلمية بخبرات روسية، وتمده روسيا بيورانيوم مخصب، وبحسب التقديرات والمصادر الاوروبية والاميركية فإن ايران مقبلة على امتلاك الطاقة النووية ما يتيح لها دخول نادي الدول النووية.

فوق ذلك فإنّ ايران تخضع لحكم دولة مركزية ذات محتوى ايدولوجي واضح. ويمكن القول ان ثلاثة اتجاهات سيطرت على الساحة السياسية الايرانية منذ اعلان الجمهورية الاسلامية في 1979 اولها الاتجاه الاسلامي، والثاني الاتجاه القومي الاسلامي، والثالث الاتجاه الليبرالي. وقد تبادلت هذه الاتجاهات ادارة مواقع الدولة الرئيسية خلال العقود الثلاثة الماضية، وبرز القوميون الليبراليون في السنوات الانتقالية الاولى من عمر الجمهورية، ولكن الاسلاميين والاسلاميين القوميين (الاصلاحيين والمحافظين منهم على السواء) سرعان ما حسموا الصراع الداخلي لصالحهم، بينما كانت السياسية الايرانية الخارجية اكثر اسلامية خلال عهد الخميني، فقد اصبحت اكثر قومية بعد وفاته.

ايران في تكوينها وهويتها الحالية هي صنيعة الميراث الصفوي. وقد حملت في احشائها طوال القرون الخمسة الماضية نزعة توسعية، وان كان الالتزام الاسلامي للجمهورية الاسلامية يعزز عوامل الاخوة والتضامن مع دول وشعوب العالم الاسلامي، فإن البعد القومي لايران هو بعد توسعي.

المشكلة ان التوجه الاسلامي للسياسات الايرانية يحمل في مناسبات ومناطق متعددة محتوى طائفيا. وربما يمكن القول ان السياسة الايرانية العربية تتجاذبها قوتا دفع؛ قوة دفع اسلامية تضامنية وقوة دفع توسعية قومية طائفية.

هذه المقدمة لا بد منها للالمام بالصورة العامة لايران جغرافيا وسكانيا واقتصاديا وسياسيا. فهل هناك من مخاطر لايران على الجوار العربي؟

بمتابعة السياسات الايرانية، واستقراء تصريحات مسؤوليها، نصل الى نتيجة مفادها ان ايران تسعى لامتلاك قوة عسكرية تقليدية في الوقت الحاضر مع سعيها لامتلاك القوة النووية مستقبلا لتوفر قوة حامية للنظام من ناحية، وموقعا مميزا في ميادين القوى الاقليمية ليضمن لها توسعا سياسيا وطائفيا واقتصاديا من الناحية الاخرى. ودليل هذا التوجه ما تتبعه ايران في سياستها تجاه العراق، فقد اتاح الاحتلال الأميركي للعراق والتحالف الذي جمع بين المحتلين والقوى السياسية الشيعية فرصة تاريخية لايران لتلعب دورا فاعلا في السياسة العراقية والتأثير على الدولة العراقية الجديدة ودعم القوة الشيعية لبسط سيطرتها على العراق والدولة العراقية عبر نظام محاصصة طائفية وامنية.

ويأتي في هذا السياق ما يعرب بالهلال الشيعي (ايران، العراق، سورية، لبنان) لاقامة تحالف يقوم على اولوية القرار الايراني في العراق مقابل اولوية القرار السوري في لبنان ليتم بذلك تحالف مع قوى المقاومة في المنطقة (لبنان وفلسطين) في مواجهة المشروع الاميركي- الاسرائيلي والمتحالفين معه من دول المنطقة الاخرى.

اما دور ايران في الخليج؛ فلا يقبل الجدل، اذ يمثل الوجود الفاعل للقوى الشيعية في الخليج اساسا للوجود والنفوذ الايراني، واثر ذلك في السياسات الخليجية، وكمثال على ذلك الوجود الشيعي في البحرين والكويت، وقد برز هذا الدور وملامح السياسة الايرانية المستقبلية في الخليج من خلال خطاب الرئيس الايراني احمدي نجاد الذي القاه امام مؤتمر قمة مجلس التعاون الخليجي المنعقد في الدوحة؛ اذ اكد على الطموحات الايرانية من خلال فتح مجال واسع لنشاطات الشركات الايرانية والسماح للايرانيين بالتملك والاقامة في دول الخليج وحصول ايران على حصة استثمارية من الفائض المالي الخليجي.

ايران تسعى الى ان تكون شريكا فعليا في اقتصاديات الخليج ومن الاقتصاد ستعمل مستقبلا على ان تملك حق الفيتو على سياسات دول الخليج العربية.

هذا الطموح التوسعي يقودنا لاي خطر اخر ينبع من "النزعة التبشيرية المذهبية" للنظام الايراني الذي يقوم على فكرة الامامية الاثنى عشرية. ولدى ايران جهود تبشيرية حثيثة في كثير من الدول العربية والاسلامية والافريقية، سواء في سورية ولبنان ومصر واليمن والمغرب العربي وفي شرق وغرب افريقيا، فهناك فرق تبشيرية نشطة ومراكز ثقافية تبذل الفكر والمال والاعطيات في سبيل نشر التشيع في قلب المجتمعات السنية. وقد اثمرت هذه الجهود فرأينا قرى سورية كاملة في الشمال والشرق منها تتحول الى قرى شيعية، واصبحت الحسينيات مشهداً مألوفا في هذه المناطق.

ما يقوي هذا الشعور بالخطر لدى المجتمعات العربية والاسلامية ما يشاع او يقرأ بين السطور عن امكانية ابرام صفقة ايرانية- اميركية في المنطقة لتقاسم النفوذ والمصالح بينهما على حساب المصالح العربية تقوم على اساسه اميركا بغض النظر عن نشاط ايران النووي مقابل سكوت ايران على الوجود الاميركي في العراق وامن الدولة العبرية مقابل دور ايران المميز في كل من العراق وسورية ولبنان.

مثل هذه الصفقة غير مستبعدة في السياسة الاميركية، بغض النظر كانت ديمقراطية او جمهورية، فهي تحفظ ماء وجه اميركا، وتحول دون تسجيل هزيمة لها في المنطقة، وتحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية، وتحفظ لاسرائيل امنها وعدم تهديدها. في الوقت نفسه تحقق لايران مكاسب استراتيجية وسياسية واقتصادية وطائفية في المنطقة من دون تصادم مع المصالح الاميركية.

فإيران ماضية في امتلاك اسباب قوتها وحفظ وجودها في المنطقة ودعم استراتيجيتها، وما يعزز هذه المكاسب هو الغياب العربي عن اي دور فاعل له في العراق وفي المنطقة.

ان قوة ايران العسكرية والاقتصادية والسياسية هي، من وجهة معينة، قوة للعالم العربي والاسلامي، اذا احسن وتوظفيها لمواجهة النفوذ الاميركي الاسرائيلي ولحفظ التوازن الاستراتيجي في المنطقة. وان مصلحة العرب ان تكون ايران قوية لتحقيق هذه الاستراتيجية، لكن ليس في صالح العرب ان تكون ايران توسعية مذهبية طائفية تسعى لبسط سيطرتها ونفوذها على الساحة العربية والاسلامية، اذ يمكن تصور المصلحة العربية في ان تكون ايران قوية لنفسها تؤدي دورا فاعلا في التضامن العربي والاسلامي حامية لنظامها دون ان تكون دولة مذهبية تبشيرية تسعى للتبشير بفكرتها تمهيدا لبسط سيطرتها على العالم العربي والاسلامي.

والخلاصة ان الاسلم والاجدى تجاه ايران عربياً هي "سياسة التعايش مع ايران قوية"، تعزز قوى التضامن والحوار داخلها، والعمل العربي الجاد لاجل وضع حد لسياسات ايران التوسعية.

ايران قوية: نعم. ايران توسعية: لا.

* المراقب العام السابق لجماعة الاخوان المسلمين

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سياسه ثابتة وطرق مختلفة (مالك)

    السبت 26 نيسان / أبريل 2008.
    انا بتفق مع الكاتب بأن ايران تبشيريه توسعيه مذهبيه خطر على جميع الدول العربيه وايران لم تغير هذه الفكره وانما غيرت في طريقة تنفيذها عن طريق:اولا الدخول في الحرب مع العراق ومحاولة السيطره عليه ولكن عندما رأت ان العرب وقفوا مع العراق بطريقه او اخرى غيرت من طريقتها ثانيا التعاون مع الولايات المتحدة في احتلال العراق ومن ثم تقوية الشيعه ولا تزال مستمره من جهه ومن الجهه الاخرى التحالف مع سوريا ولكن الطريقه الاتيه التي ستنفذ هي اما تعاون ايران مع الولايات المتحدة واسرائيل اوسلام سوريا مع اسرائيل اي اختيار احلى المرين على الولايات المتحدة واسرائيل..
  • »العلاقات السنية الشيعية (غاده شحادة)

    السبت 26 نيسان / أبريل 2008.
    ا يخفى غلى اي احد ذو بصيرة الخلافات الواضحة والجلية والكبيرة بين السنة والشيعة حتى اننا قد نسمع من الطرفين كلاما لا يصدقه العقل لكن على الاغلب فهو صحيح والمخططات الايرانية في المنطقة معروفة وليست خافية ولكن مع ذلك علينا ان نعترف انها مصدر قوة لنا بصراحة لم اقتنع بمسئلة الاتفاق الايراني الامريكي ولو استطاعت امريكا مهاجمة ايران كما فعلت مع العراق لما ترددت ربما كانت السياسة الامريكية تعتمد على الدور الايراني في العراق لابقاء الوضع مشتعلا فيها وبالتالي يبقى العالم كله منشغلا بهم ولا يلق بالا لامريكا ودورها في المنطقة ولا للتدخل الايراني مع هذا كله اعتقد ان وقفة الرئيس الايراني احمدي نجاد وتحديه العلني لامريكا (حتى لو كان مايدور في الخفاء اشد واعظم) هذا التحدي العلني يرفع من قيمتنا كمسلمين حتى لو اختلفت مذاهبنا وعلى الرغم من الحقد الشيعي فهو يبقى اخف وطأة من الحقد الامريكي