الثورة السوداء في باكستان

تم نشره في السبت 26 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

بمجرد توليه لمنصبه في الشهر الماضي، سارع رئيس الوزراء الباكستاني الجديد يوسف رضا جيلاني إلى إصدار الأمر بالإفراج عن القضاة الستين الذين كان الرئيس برويز مُـشَرَّف يحتجزهم منذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وهذا يشكل نصراً لحكم القانون في باكستان، ونصراً غالياً للمحامين الباكستانيين الشجعان الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً على حالة الطوارئ التي أعلنها مُـشَرَّف في الخريف الماضي.

نظم المحامون المسيرات، وغنوا ورقصوا، وقايضوا حقائبهم بشارات الاحتجاج، بل والبيض والحجارة في بعض الأحيان. وكما كتب أحد أصحاب المدونات الباكستانيين على شبكة الإنترنت: "لقد رقصوا وهم يرتدون معاطف وربطات عنق سوداء. فكانت معاطفهم السوداء بمثابة بنادق الكلاشنكوف، وكانت ربطات العنق السوداء بمثابة الطلقات". وفي هذا العالم الذي شهد العديد من الثورات الملونة، فقد اختارت باكستان لون القانون الأسود الرزين لثورتها.

في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلن مُـشَرَّف الحرب على المحامين والقضاة، ففصل كل القضاة الذين رفضوا الاعتراف بإعلان حالة الطوارئ، التي زعم أنها تهدف إلى حماية البلاد من الإرهابيين. وكانت المحكمة العليا المؤلفة من سبعة قضاة تحت قيادة رئيسها افتخار محمد شودري قد قاومت القرار بإصدار أمر بمنع الحكومة من إعلان حكم الطوارئ.

عند ذلك سارع مُـشَرَّف إلى حل المحكمة العليا والمحاكم الأربع الأدنى منها، ثم وضع شودري وعائلته بالكامل تحت الإقامة الجبرية في البيت، وحاصر مقر المحكمة العليا بقوات من الجيش، وباشر إلى اعتقال واحتجاز كل القضاة الذين رفضوا أداء قسم الولاء للنظام الدستوري الإقليمي الذي تضمن إعلان حالة الطوارئ. وكانت النتيجة احتجاز أكثر القضاة الكبار، فضلاً عن زعماء نقابة المحامين في أنحاء البلاد كافة والمحامين البارزين والناشطين في مجال حقوق الإنسان كافة، والذين دافعوا عن استقلال القضاء.

وأثناء الاحتجاجات التي تلت ذلك تعرض المحامون للضرب، والهجوم بقنابل الغاز، والمهانة. لقد وقفوا مع قضاتهم على النحو الذي جعل القضاة المستعدين لأداء قسم الولاء عاجزين عن مزاولة أعمالهم. ويبدو أن حركة المحامين نجحت في دق إسفين تاريخي بين السلطتين القضائية والتنفيذية.

ولكن في باكستان، والولايات المتحدة، وغيرهما من البلدان التي شارك فيها المحامون في قيادة المقاومة لصالح حقوق الإنسان وحكم القانون، تختفي خلف عباءة المثل العليا مجموعة من المصالح التي لا تقل أهمية. إذ أن المحامين كانوا يدافعون عن أرزاقهم بقدر ما كانوا يدافعون عن مبادئهم. فهم لا يستطيعون مزاولة أعمالهم دون وجود القضاة الذين سيفصلون في قضاياهم. ولن يقيم العملاء الدعاوى القضائية ما لم تكن لديهم الثقة في استقلال القضاء إلى الدرجة التي تسمح له بالفصل في القضايا على أساس الحقائق وليس الرشاوى أو الاعتبارات السياسية.

وهذه المصالح تساعد أيضاً في تفسير الأسباب التي دعت المحامين في كينيا إلى الوقوف في الصفوف الأولى بين المحتجين ضد فساد نظام الرئيس دانييل آرابموا في أوائل التسعينيات. إن الفساد يؤدي إلى إهدار أي فرصة لكسب العيش بمزاولة مهنة القانون، التي تصبح حكراً على الأثرياء. إلا أن مصالح المحامين لا تبرز بهذا الوضوح في الأزمات الناجمة عن الصراعات العرقية.

إن التقارب بين المبادئ والمصالح على هذا النحو لا يعني بأي حال من الأحوال الحط من قدر شجاعة المحامين الباكستانيين وأهمية الاحتجاجات التي قاموا بها. ولقد أدرك مؤسسو أميركا، على سبيل المثال، أن المبادئ والمصالح لابد وأن تسيرا جنباً إلى جنب. فجاء تصميمهم للديمقراطية الدستورية ليضمن، طبقاً لكلمات جيمس ماديسون "وقوف الطموح في وجه الطموح، وارتباط مصالح الإنسان بالحقوق الدستورية المعمول بها في البلاد".

إن أفضل أساس يقوم عليه حكم القانون يتلخص في بناء جزيرة من الشرعية حيثما دعت الحاجة إليها، سعياً إلى إضفاء الشرعية على الأهداف التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها - على سبيل المثال، منع الفساد، أو حماية البيئة، أو تطهير النظام المالي، أو تنفيذ العقود مع المستثمرين الأجانب.

وحين تبدأ هذه الجزر في تكوين أرخبيل، تنشأ طبقة الحقوقيين، بدعم من العملاء الذين يحتاجون إليهم. وحين يأتي اليوم الذي يتجاوز فيه أحد القضاة أخيراً الخطوط السياسية، فيتحدث عن حقيقة دستورية أمام قوة مغتصبة، فإن رفض الحكومة للانصياع يهدد مصالح ومبادئ شريحة واضحة ونشطة من المجتمع.

من المنتظر أن تكشف الأسابيع القادمة ما إذا كانت حكومة باكستان الجديدة تمتلك الشجاعة اللازمة، ليس فقط لإطلاق سراح القضاة المفصولين، بل وأيضاً لإعادتهم إلى مناصبهم، وربما الخضوع لسلطانهم القضائي. إذا ما حدث ذلك فلسوف يكون بوسع المحامين الباكستانيين أن يعودوا إلى قاعات المحاكم، ولسوف يحصل المواطنون الباكستانيون على فرصة أخرى لتفعيل الديمقراطية. وإذا ما نجحوا فلربما كان عليهم أن يضيفوا شريطاً أسود إلى جانب الشريط الأخضر الذي يعبر عن الإسلام في علمهم - والأسود هنا لا يرمز إلى الحداد، بل إلى العدالة.

* عميدة كلية وودرو ويلسون بجامعة برينستون، ومؤلفة كتاب "أميركا كفكرة"، وهي تقضي حالياً عطلة لمدة عام كامل في شنغهاي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق