تونس تتعهد بالحفاظ على الاعتدال الديني

تم نشره في الأحد 20 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

تونس العاصمة – تتواجد المعابد اليهودية والكنائس في تونس جنباً إلى جنب مع المساجد، وتمارس الأقليات اليهودية والمسيحية شعائرها بحريّة. يضمن الدستور هذا الجو السائد من التسامح، حيث يوفر الإجراءات القانونية الضرورية ويحمي حرية الضمير وحرية الممارسات الدينية. ولكن هذا الجو المتفتح للممارسات الدينية قد تعرض لتحديات في السنوات الأخيرة من قبل ظهور الإسلام المتطرف في العالم العربي - الإسلامي.

قام العشرات من التونسيين الشباب بالانضمام إلى النزاعات في أفغانستان والشيشان والبوسنة عبر العقود الماضية، وما زالوا يتوجهون إلى العراق بالذات هذه الأيام. أما داخل الدولة، فقد بدأ "القميص"، وهو (لباس يمتد إلى الركبة يلبسه الرجال في أفغانستان وباكستان) يظهر في شوارع المدن التونسية كرمز للتعاضد مع شعوب هذه الدول. وبالنسبة للنساء، بدأ الحجاب الديني يحل محل غطاء الرأس التونسي التقليدي، السفساري، وهو قطعة كبيرة من القماش الأبيض تلبسها النساء لتغطية رؤوسهن وثيابهن.

تتسبب هذه التغيرات بالقلق لعدد واسع من التونسيين، لأنها تتعلق بأركان مجتمعهم، الذي يرتكز على التنوع الديني والتشريع العلماني، تقريباً. ويتعرض هذان المبدآن للهجوم من قبل المسلمين الأكثر تطرفاً وتشدداً، حيث يعتبرونهما متعارضين متنافرين مع الإسلام.

هل تستطيع، في أي مكان آخر في العالم العربي اليوم، أن تجد جالية يهودية قوامها حوالي 6000 مواطن؟ في تونس، يعيش الجزء الرئيسي من الجالية اليهودية على جزيرة جربة، إلى جانب الجالية المسيحية التي يزيد عدد أفرادها على 20،000 مواطن من الكاثوليك والبروتستنت والروم الأرثوذكس، وهم يتشاركون باحترام متبادل للثقافة والشعائر مع الأديان الأخرى، وواقع الأمر أن المسلمين التونسيين يحضرون الاحتفالات المسيحية واليهودية، وخاصة عيد الميلاد وذكرى الهجرة اليهودية إلى جربة.

ينطبق هذا التوجه التسامحي الليبرالي كذلك على وضع المرأة. في عام 1956 أصدر أول رئيس تونسي للجمهورية، الحبيب بورقيبة "قانون الأحوال الشخصية"، الذي يشكل التشريع الأول والوحيد الذي يمنع تعدد الزيجات في العالم العربي الإسلامي. وقد عمل الرئيس الحالي، زين العابدين بن علي، على تقوية القانون المذكور. إضافة إلى ذلك، تعتبر تونس واحدة من الدول القليلة في العالم التي لا تجري فيها شعائر الزواج الديني، فالزواج تعقده السلطات المدنية فقط، رغم أنها تتم أحياناً في المسجد.

ليس الشعب التونسي على استعداد للاستغناء عن حكم القانون المدني هذا تحت ضغوط متزايدة من قبل الإسلام المتطرف الذي يستخدم قنوات التلفزة الفضائية لإدانة الحريات الدينية ووجود السياح غير المسلمين في تونس، وينادي بوضع نهاية للتشريع العلماني في تونس.

ويدعم المجتمع المدني مفهوم المجتمع الحديث المتسامح. وقد قامت الجامعات بتنظيم حلقات دراسية حول التعايش بين الديانات واحترام الفروقات الثقافية. كما تم توزيع العشرات من العرائض لتشجيع دعم الحفاظ على حريات المرأة في تونس والمناداة بالمزيد من التمكين لهن.

اختارت الحكومة سبيل الإجراءات الأمنية الصارمة، حيث تم تجميد أية نشاطات ومجالات إعلامية يحتمل أن يجري اختراقها من قبل الأصوليين، كالنشاطات الدينية مثل حلقات الحوار الإسلامي وحلقات حوار حول شرح الحديث النبوي الشريف. كما يقتصر استخدام المساجد على الصلاة خمس مرات في اليوم.

كما جرى منع أي إمام يُشَك في احتمالات تطرفه الديني من إلقاء خطبة الجمعة، حيث تسبق صلاة الظهر في أيام الجمعة إسنادات من قبل الإمام حول أساليب الحياة اليومية، ويمنع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية.

بالنسبة للعديد من مراقبي حقوق الإنسان، لا تحمل هذه الإجراءات القسرية سوى النذر اليسير من الاحترام للحريات الدينية، فهي تعمل، من خلال وضع المتطرفين في دور الضحايا، بتعظيم التطرف في عيون الشباب الباحثين عن هوية أو معارضة. ولا توفر هذه الإجراءات سوى حماية تجميلية ضد الأصولية المتنامية.

هناك حاجة ملحّة لحوار إيجابي معمق يرتكز على الطرح الديني المتسامح، لاستئصال تداعيات الأصولية في المجتمع. يجب استخدام اعتدال المذهب المالكي (وهو أحد مذاهب الفقه الإسلامي الأربعة) والثقافة المتسامحة بشكل عام للشعب التونسي لاتّباع تعايش سلمي لكافة الطبقات الاجتماعية واحترام الآخرين واختلافاتهم.

طالما تواجدات تونس على تقاطع طرق الحضارات المختلفة. يجب أن يشجع هذا التنوع الثقافي على التعايش السلمي لكافة الحضارات والديانات على أساس الاحترام المتبادل.

لا يمكن إلا لسياسة كهذه أن تبعد مشاعر التعاطف التي يمكن أن يدخرها المتطرفون الذين تنطوي أجندتهم على إيجاد خلافات ومشاكسات في المجتمع عن طريق إطلاق صفة الكفر على هؤلاء الذين لا يتبعونهم. إذا تم تبني سياسة متشددة فقد يظهر المتطرفون على شكل ضحايا عدم التسامح، وبأنه تجري معاقبتهم لمعتقداتهم الدينية.

يحمل الصراع المستمر في تونس من أجل التسامح فروقات حساسة خطرة أكثر مما كان عليه الصراع من أجل حقوق المرأة في يوم من الأيام. من الحيوي الآن، كما كان الأمر في الماضي، شن كفاح، والفوز فيه، من قبل قوى الحوار.

مراد سلامي صحافي تونسي يعمل في صحيفة Le Temps اليومية الناطقة بالفرنسية

خاص بالغد بالتنسيق مع خدمة Ground Common

التعليق