جميل النمري

سرّ ملحمة السقوط التي لم تحصل

تم نشره في الخميس 10 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

قرأت كلاما عاطفيا وملحميا مؤثرا عن سقوط بغداد بمناسبة الذكرى الخامسة، لكن ما حدث فعلا لم يكن ملحميا بل مفجعا فقط، والناس التي انتظرت "معركة بغداد" ظلّت تسأل مذهولة ما الذي حصل؟

لم يحصل شيء في الحقيقة فقد كانت المأساة قد استهلكت فصولها قبل دخول قوات الاحتلال. ألوف لم نعرف عددها ابدا من جنود العراق قتلت على الأرض، بعيدا عن أعين الكاميرات، ودون أن تتمكن (إلا نادرا) من القتال بعيدا أو قريبا من بغداد وأُحرقت مئات الدبابات وتبددت الفرق العسكرية والتشكيلات، ولم نر أو نعرف ما حصل لجيش العراق. سمعنا عن معارك قرب المطار، لكن لم نفز برواية أو مشهد واحد يخلد معركة عسكرية.

مشهد "سقوط" بغداد لا يحتمل الدلالات العسكرية الدراماتيكية لهذا التعبير. فقد تابعنا مذهولين دبّابة واحدة تجتاز الجسر وتقترب من وزارة الاعلام، ففهمنا أن بغداد سقطت والعمل العسكري الوحيد الذي أمكن رؤيته هو بضعة قذائف قاتلة صوب صحافيين عرب وأجانب.

ومن أجل ترميز سقوط "الدكتاتورية" تمّ تصميم مشهد اطاحة تمثال صدّام في ساحة الفردوس، فحصلنا في الحقيقة على أبلغ توثيق لحقيقة أخرى. كان يفترض أن تسجل الكاميرات اطاحة مدويّة للصنم الضخم من عليائه الى الأرض لتصعد الجماهير المتحررة فوقه على غرار المشاهد العتيدة لإطاحة التماثيل في العواصم الشيوعية قبل عقد ونيف من الزمن، لكن التمثال لم يكن سوى صاج أجوف فانطعج ببساطة عندما تمّ الاستعانة بدبابة أميركية، وتمزق خلال سحبه الى الأسفل. ولم يظهر مشهد اطاحة التمثال فاشلا، فحسب، بل إن الجمهور الصغير المتواجد بدا مثل كومبارس تمّ احضاره لتصوير المشهد الذي سيبثّ على كل الشاشات، وسنكتشف لاحقا أن بعض الوجوه التي كانت في الصورة تكررت في مواقع أخرى من بينها مشاهد سابقة لدخول بغداد واتضح أنهم عناصر دخلت مع قوات الاحتلال. وقد فات تدارك مقطع خارج النص بصعود جندي غطّى وجه التمثال بالعلم الأميركي.

هذا المشهد البائس يلخص الحقيقة غير الملحمية لسقوط بغداد أمام الغزو، ولأن كل شيء كان خاطئا وكاذبا فالثمن سيكون فادحا، تحرير العراق كان كذبة، ونحر الغزاة على أسوار بغداد كان كذبة. والحقيقة أن أغبى وأسوأ قيادة لدولة عظمى لم تستطع كبح جماح شهوتها للفوز بطريدة سهلة وكانت الطريدة أعند مما يجب لكي تخرج مبكرا بالاستخلاص الصحيح.

وقد تتالت مشاهد تخالط الكذب وتختلط فيها دراما المقام بكوميديا المقال ابتداءً بمؤتمرات الصحّاف وانتهاء بمؤتمر بوش الذي اعلن فيه "انجاز المهمّة" من على ظهر سفينة حربية على الشاطئ الأميركي وبخلفية صمّمها أحد أشهر مصممي المشاهد السينمائية في هوليوود.

على قدر هزال وبؤس مشهد السقوط كان حجم الكارثة المنتظرة مرعبا.. فخلف المسرح كان البطل الفعلي وسيد اللعبة (اللوبي الصهيوني مع إسرائيل) يصمم بوعي تام تلك النازلة العظمى التي ستنزل على رأس الشعب العراقي (ازالة الدولة الوطنية وفتح باب الحرب الأهلية)، وكانت الأطراف جاهزة للقيام بحصّتها للوصول الى الكارثة.

كان مشهد الحرائق وهي تلتهم المؤسسات ومتحف الـ7 آلاف عام من التاريخ وهو يُنهب يسدِل الستار على المشهد الهزلي السقيم لتبدأ المسيرة نحو الجحيم.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وتستمر مسيرة القتل.. (توفيق ابوسماقة)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    قالت العرب:(إذا وقع الجمل كثرة سكاكينه) وهذا ما حصل مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين حتى في الفترة التي سبقت الحرب,أفول ما أقول لأنني أثق بما قاله احدهم وهنا اقتبس(أن أميريكاليس لها صديق) نعم نؤيد هذا و لا نختلف فيه لان هذا ماحصل فعلا و لا نريد الخوض في هذا كثيرا.حيث هذه النتائج التي نلمسها في العراق حاليا هي من نتائج سياسة المصالح التي تتبعها الولايات المتحدة بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي وحسب نظرية الإحتواء المزدوج والتي إيران الجزء الثاني منها. شكرا للمحلل الاستاذ جميل النمري على هذه الإثارة
  • »بل سقط القناع (نورالدين)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    في الحقيقة أظن أن قبل سقوط بغداد بكثير سقطت ورقة التوت عن الأنظمة العربية، فالحشد الدولي هذا جيوشا أو تأييدا سياسيا لم يكن لولا صمت العرب قيادات وشعوبا ... نعم شعوبا فكان الأولى أن تسقط هذه الدويلات قبل أن تمس دولة مثل العراق بعراقتها وثرواتها الزراعية والمعدنية والنفطية وأهمها العلمية ... أنا أتساءل اليوم كيف استجبنا نحن لهذه الفاجعة فقد كان الأولى أن نبني كيانات أقوى من خلال أنقاض المؤسسة العلمية العراقية .. لكن تم تعيين بعض الأساتذة والعلماء العراقيين بالواسطة برواتب ضئيلة وكأنما ندفعهم للهجرة .. وإعادة توطين العراقيين كان اختياريا إلى حد مبكي ... فلعب ذلك دوره في إنشاء طائفية حيث أحس قطاع كبير من العراقيين أنهم هم المحاربون وليس النظام العراقي السابق ... بعد خمس سنوات على الحرب أستطيع أن أقول أنه ظهر المغزى من الحصار والحرب والسقوط .. لست منالقائلين بنظرية المؤامرة لكن تعلمنا أن ننظر للنتائج لنعرف ما كان سابقا أهدافا واليوم ظهرت أهداف هذه الحرب الغريبة والفاجعة بكل ما فيها
  • »بغداد التاريخ و الجرح و الأمل (بني ادم)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    سقطت بغداد منذ ستينيات القرن الماضي
  • »سر السقوط (ahmad)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    سلام بداية كانا يعلم كيف سقطت بغداد ..التخاذل العربي اولها وثانيها التخطيط الدقيق للكيان الصهيوني وثالثا الخداع وانعدام الانسانيه حيث كان السلاح المستخدم انتاج جديد جرب على ارض العراق وتم التحفظ على نتائجه حتى الان وغدا سنعرف مدى الفاجعة ...حيث لا صديق للعرب والمسلمين بتاتا والعلاقات الحاليه هي مصالح مؤقته ليست لصالح العرب ولا يمكن ان تكون بأي حال من الاحوال ...وطالما الفكر العربي خيالي وعاطفي (طوباوي ) فمزيدا من التجارب ستمارس على العرب وصناعة الاسباب متطوره جدا بدليل الاسباب التي اعلنت ونشرت لدعم تدمير العراق ..كما هو ماثل للعيان امام جميع العرب ..وما زلنا نتسائل رغم كل الوضوح وايادينا تصافح المجرميين .... حبا بالله دعوا هذا الموضوع للاجيال القادمه قد تنفع العروبه اكثر منا ...
  • »unfortunity (yousef etoom)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    Unfortunitty mr nimrey that is what happend, as we saw it through the american media, but if we look carefully to the many reasons which leaded to such situation and mainly the gab between us down here and the advanced wourld, who the americans are the maine player in it, we may be able to diagnose our proplems, and start to re-organise our priaroties, then we might be able can start anew era, thang mr nimrey,keep truckingand God bless jordan and the king...
  • »طريق صدام القدري (احمد اسلام يوسف)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    لم يكن امام الرئيس المجاهد صدام حسين الا ان يقاتل .. ارسل الرسائل و حاور و ابدى مرونة دونها ما لا يقبله الرجال و لا العرب و الا المسلمين في مرحلة الهزيمة...
    و كان قدره التاريخي ان يذهب شهيدا هلى نحو لم يألفه العالم و لم يسجل بهذه الصورة عبر مسيرة الانسان
  • »اللغز (غادة شحادة)

    الخميس 10 نيسان / أبريل 2008.
    مرت خمس سنوات على سقوط بغداد وماحدث سيبقى في طي الكتمان كنا نسمع عن جحافل الحرس الجمهوري والاسلحة الاسطورية التي اختفت بشكل عجيب ومعه سقطت بغداد سقوطا مسرحيا خمس سنوات ومازلنا نحاول ان نفهم الشئ الوحيد الذي فهمناه ان العراق فقدت حجاجها فباعدام صدام وبغض النظر عن حقيقته فقدفتحت النار بين ابناء الشعب العراقي وبالمساعدة الامريكية الجبارة تحولت العراق من رابع قوة عسكرية في العالم (في 90)الى بقايا دولة وكان من الافضل احتمال الكي على البتر بالكلية