إذن؛ لماذا القمة؟!

تم نشره في السبت 29 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

لماذا يكلف العرب أنفسهم عناء عقد المؤتمرات على مستوى القمة اذا لم تكن لديهم النية للتعامل مع مثل هذه اللقاءات على انها فرص التلاقي للتداول في مشاكل الامة وقضاياها، وبالتالي، فرص البحث عن حلول لها؟

فمن يشهد ردود فعل العديد من الدول العربية تجاه القمة التي تعقد اليوم في دمشق يشعر بوضوح ان تلك الدول تنظر إليها وكأنها عبء ثقيل، وواجب مزعج يتوجب اداؤه بأقل قدر ممكن من الشهية والروح والالتزام. اذا كان الامر كذلك فلم القمة؟ واذا لم تكن اللقاءات على مستوى القمة هي بالفعل وليدة حرص القيادات العليا على تدارس قضايا الامة, وهي كثيرة وخطيرة, والبحث عن حلول للازمات المتفاقمة, وهي ملحة وبالغة الضرورة, ووضع حد للتدهور المتسارع, وهو يهدد المصير والوجود, ان لم يكن هذا ولا ذاك فلماذا تقدم الدول العربية على اختبارات لا تحقق سوى تسليط الضوء على الخلافات والتناقضات وفقدان الارادة والقدرة على العمل المشترك والتحرك الهادف المسؤول؟

ليس بصدد هذه القمة فقط, بل ومنذ قمم اخرى سبقتها, برزت ظواهر غريبة: منها التعامل مع القمة لا على اساس انها مشروع عربي لمصلحة الجميع, بل على انها مصلحة محدودة للبلد المضيف, وبالتالي فرصة للتنكيد على ذلك البلد للتعبير عن خلاف قائم, او للمجاملة ان استوجبت العلاقات الطيبة ذلك, وكأن القمة مناسبة اجتماعية لتبادل المجاملات, وليست ضرورة سياسية للارتقاء بالعلاقات الى مستويات الظرف ومقتضيات الخطر الداهم.

منذ فترة تركز الجدل حول عقد القمة من عدم ذلك, على اساس ان دمشق ليست المكان المناسب في الظرف الراهن بسبب توتر في العلاقات بين البلد المضيف وبعض الدول العربية الرئيسية التي يقاس نجاح القمة عادة بحضور قادتها, بينما يفسر الغياب إضعافا للقاء.

ثم تركزت التكهنات, بعد اصرار دمشق على عقد القمة بصرف النظر عن مستوى المشاركة, على من سيحضر ومن سيغيب, وعلى اي مستوى سيكون التمثيل عندما يكون قرار اية دولة ان لا يشارك رئيسها. وتلك الحالة ليست مقصورة على هذه القمة فقط بل تكررت من قبل. الجديد فقط هو ان مستوى التمثيل بالنسبة لدولتين رئيستين سيكون في مستوى نزل كثيرا هذه المرة عن المألوف وكأنه امعان في التعبير عن عدم الرضا عن سياسة دمشق تجاه الازمة اللبنانية بالذات. فدمشق متهمة بعرقلة حل تلك الازمة والابقاء على لبنان بلا رئيس جمهورية ليتلقى الدعوة وليشارك حسب الاصول.

لقد قبلت سورية بعد شيء من التردد بتوجيه الدعوة للحكومة اللبنانية القائمة التي تعتبرها المعارضة اللبنانية غير شرعية. ولكن, ولأن تلك الحكومة اعتبرت اسلوب تقديم الدعوة "مهينا" فقد قررت المقاطعة, ولكن دون ان تمتنع عن مخاطبة القمة بصيغة ما, ودون ان تكيل الاتهامات لدمشق.

اذن فقد ادت الازمة اللبنانية, وتفاعلاتها في العمق العربي الى تكوين موقف مناوئ للقمة مستند في أساسه الى تحميل دمشق مسؤولية ما يجري في لبنان, وفي ذلك تبسيط ساذج لأزمة هي في حقيقتها اعمق بكثير من مجرد تدخلات خارجية, وان كان للتدخلات الخارجية من اكثر من طرف, ومن اطراف غير عربية, دور لا يمكن تجاهله. ولكن ذلك لا يعني ان وضع حد للتدخلات الخارجية كفيل بنهاية الازمة.

والمهم هنا ان القمة التي يفترض ان تحتوي الخلافات العربية قد ادت الى تفجيرها, وان اللقاء السنوي العربي الذي تم الاتفاق منذ بضع سنوات على ان يتم دوريا, وبلا جدال ظل ينعقد, ولكن بلا مشاركة على مستوى القمة, وبتحويل ما يسمى بمؤسسة القمة الى مجموعة من الاجراءات الشكلية والمناكفات البعيدة عن جوهر المشاكل والقضايا التي تنعقد وتتفاقم كل لحظة.

قد لا يكون امام امين عام الجامعة العربية من خيار, او لا يكون لديه من قول افضل مما ردد في صدد التبرير لغياب عدد من القادة العرب, بأنه, اي ذلك الغياب لن يؤثر, لأن وجود اي ممثل في مقعد الدولة الذي لا يشغله رئيسها, يمنح ذلك الممثل الحق في التصويت على القرارات. ولكن هذا التبرير يجانب الصواب ويجافي الواقع كونه يساوي بين التمثيل على مستوى سفير او وزير مع التمثيل على مستوى رئيس الدولة. ولو كان الامر كذلك لما كان هنالك اي فرق بين اجتماعات الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين واجتماعات القمة.

ولم يكن ما ردده وزير الخارجية السوري حول نجاح القمة قبل ان تنعقد مقنعا ايضا. فقد صرح, ضمن امور اخرى, بأن القمة نجحت قبل ان تنعقد, اولا لأنها عقدت وثانيا لأنها عقدت في دمشق. هذا القول يؤكد مفهوما خاطئا وهو ان القمة هي غاية في حد ذاتها, وان انعقادها وليس ما يتمخض عن الانعقاد هو الهدف. كما ان التأكيد على ان استضافة القمة هي انجاز للبلد المضيف هو تأكيد خاطئ كونه ايضا يركز على الشكل على حساب المضمون.

بعد اخفاقات متلاحقة, قد يكون آن الاوان للالتفات للتجربة الاوروبية. هناك تنعقد قمة يحضرها جميع رؤساء الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي كل ستة اشهر. بلا منة ولا مشاحنات ومناكفات وهناك تناقش القمة قضايا جوهرية فقط ولا يعيرون الشكليات اية قيمة ولا يحمل الدعوات للمشاركة وزراء ولا مسؤولين كبار. وهناك يختلفون ويتفقون, ولكنهم يبقون القضايا المختلف عليها للبحث في القمة التالية. وهناك لا يقاطعون ولا يبددون مثلما نبدد من جهد ووقت في المسائل الجانبية والمناكفات الخفية.

ما الذي يمنع ان تكون القمم العربية لقاءات هادئة للتداول في القضايا الجوهرية او ان تعذر ذلك ان لا تكون؟

* مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أفضل من لا شيء (abdu)

    السبت 29 آذار / مارس 2008.
    ارى ان هذه القمة تعكس حالة فشل التعاون والتواصل العربي ، ونحن العرب هكذا لن نتفق ولا نريد ان نتفق ، حتى لو كان ذلك في مصلحتنا ، وفي الحقيقة فإن العرب اضعف من يتفقوا على حل لقضية ، لكن لماذا لا نفكر مليا ، ألسنا قومية واحدة ولغة واحدة ومعظمنا مسلمون وعاداتنا واحدة ومصالحنا واحدة وموقعنا الجغرافي واحد ، لا يوجد اي سبب للمشاحنات والخلافات حتى لو مالت دمشق إلى طهران فإن السبب هو الدول العربية. فليجتمع العرب في قمة دمشق .. فإن ذلك بالتأكيد أفضل من لا شيء.
  • »هكذا ارادت سوريا (عمرشاهين)

    السبت 29 آذار / مارس 2008.
    عندما يرفض الأردن المشاركة بشكل رسمي في القمة العربية المعقودة حاليا في دمشق فإنه يعلن بصراحة أن القمة هذه بدأت خداج ولم تكتمل سياسيا ، فالقضايا التي أعلنت من أجلها القمة ازدادت تعقيدا ، ولم تفرج أي بوادر لها فلما بدأت القمة ونحن نعرف أنه لم تأتي لحل المعضلتين ،القضية العراقية والفلسطينية لأنهما تحتاجا لتغيير عالمي اكبر من قمة عربية بكثير ، ولكن هدفها الأساسي كان حل الأزمة اللبنانية التي تتجه إلى الهاوية في ظل رائحة حرب جديدة بين حزب الله وإسرائيل أو مستقبل العلاقة السورية العربية والرهان على العلاقة السورية الإيرانية الوطيدة.
    التعنت السوري وحلفاؤها من جهة وجماعة الرابع عشر من آذار في الجهة المقابلة أغضب دول الاعتدال التي تهمهم مصلحة لبنان كدولة قبل مصلحة فرق سياسية فقد كانت الحلقة اللبنانية تزداد ضيقا على خناق عمروا موسى في كل مرة ،لذا حقا يطرح السؤال المهم لما تعقد القمة ، وقد كانت الأردن تتمنى أن تجتمع ليس لتبرير رؤية بل لتوافق ومصالحة وبناء علاقة جديدة لمرحلة جديدة تستعد فيها الدول العربية لقدوم السد كين الذي يبدوا أنه سيحمل تطرفاً أكثر من سابقه وقد تبدأ مرحلته التي يتوقع لها الفوز أكثر من الجمهوريين وسيبدأ كين مرحلته بحرب ضد إيران قد تختصر لتقليم أظافر .
    لذا كان الأردن يأمل أن يتم تطهير الدمل اللبناني قبل الانطلاق إلى أي خطوة أو قمة عربية شكلية كسابقاتها .
    فكل مراقب سياسي حتى لو بسيط يدرك أن سوريا محور رئيسي للحل اللبناني لم تقدم أي جديد للقمة بل اتهمت شقيقاتها بأنهم فيروسات أمريكيا ولذا حفاظا على الصحة السياسية السورية لم نرض تلويث قمتها.