انتخابات الإخوان: توافق بعيدا عن منطق "المحاصصة"

تم نشره في الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

جلب التحول الديمقراطي للإخوان المسلمين وجع رأس بقدر ما حقق لهم مكاسب. فمنذ عام 1989 ينتهك الإعلام خصوصيات الجماعة التي يتعامل أعضاؤها على قاعدة "علانية الدعوة سرية التنظيم". قبل ذلك لم يكن يعرف من الجماعة إلا مراقبها العام والمكتب التنفيذي على الأكثر. أما أعضاء مجلس الشورى فلم يكن مصرحا لهم الإعلان عن عضويتهم. كانت أول صدمة لدعاة السرية عندما نشرت صحيفة "المحرر" الباريسية عام 1990 أسماء مجلس الشورى. وبدأ الإعلام العربي والأردني يصنف الإخوان صقورا وحمائم، ومذاك لم يتوقف الإعلام عن انتهاك السرية ولا الإخوان عنها يتخلون.

وفي كل انتخابات داخلية تلوح لكارهي الجماعة بشائر الانقسام ونذره لمحبيهم، ويظل التنظيم يثبت أنه قادر بـ"المؤسسية والشورية" على البقاء موحدا. ومع أن الانتخابات الأخيرة التي تلت حل مجلس الشورى شهدت اهتماما إعلاميا وسياسيا غير مسبوق إلا أنها لا تقل "إثارة" عما سبقها. فعام 1990 شهدت الجماعة "انقلابا" على من عرفهم الإعلام بـ"الصقور": محمد أبو فارس وهمام سعيد وداود قوجق وإبراهيم خريسات. الذين كانوا يقودون المكتب التنفيذي في دورة 1986 إلى 1990.

وشهدت الجماعة سجالات فكرية وسياسية طفت على السطح. ومن طرائف ما يرويه السياسي المخضرم إبراهيم عزالدين الذي كان من عرابي مشاركة الإخوان في حكومة مضر بدران أنه سمع عبداللطيف عربيات يقول على شاشة التلفزيون الأردني (ياه! هل يسمح له بالظهور على التلفزيون الأردني اليوم!) إنه يقبل بالتعددية والديمقراطية وتداول السلطة.. فطلب من بترا أن تعيد نشر المقابلة وتوزعها على الصحف باعتبارها إعلان تحول فكري وسياسي. فنشرت عناوين في الصحافة. هذه البديهيات اليوم فتحت على عربيات معركة داخلية في حينه. ولم يتردد محمد أبو فارس في إصدار كتاب يحرم فيه المشاركة في الوزارة بعد أن قررت الجماعة المشاركة فيها.

وإلى اليوم لا يزال أبو فارس في الجماعة وهو يحمل نفس الفكر. في انتخابات عام 1994 كان الزلزال التنظيمي أعلى درجة. فالمراقب العام محمد عبد الرحمن خليفة المراقب العام التاريخي الذي أمضى في القيادة أكثر من أربعة عقود يتغير وينتخب بدلا منه عبدالمجيد ذنيبات. حتى الدولة الأردنية لم تستوعب الزلزال وحارت فيه. وبادر الأمير الحسن الذي كان وليا للعهد إلى اصطحاب الذنيبات بسيارته وزار خليفة للاطمئنان على مسار الجماعة.

بعدها جاء قرار المقاطعة لانتخابات عام 1997، وهو أجرأ وأخطر قرار اتخذه الإخوان في تاريخهم خصوصا أنه أرفق بمطالب "إصلاحات دستورية"!

وبعد انتخابات 1998 واجهت الجماعة واحدة من أعقد أزماتها مع الدولة؛ إبعاد قادة حماس. وأيا كان تقييم أداء قيادة الذنيبات في تلك الأزمة جدد له في انتخابات 2002. وجاءت انتخابات 2006 بسالم الفلاحات مراقبا عاما، وكما تقبل خليفة التغيير من قبل تقبله الذنيبات.

واجه الفلاحات منذ توليه سلسة أزمات لم تتوقف. وعاشت الجماعة أسوأ علاقة لها مع الدولة منذ تأسيس الجماعة. وللمرة الأولى غدت الجماعة "ملفا أمنيا" لا حركة سياسية. وقدمت بحقها لائحة اتهامات لم تقدم بحق الحزب الشيوعي أيام قانون "مكافحة الشيوعية". تحت القصف تمكن الفلاحات من قيادة التنظيم الجموح بأقل خسائر.

وعكست شخصيته حقيقة التنظيم توازنا واعتدالا. اشتدت الأزمة بعد الانتخابات النيابية. ومع ذلك قرر مجلس شورى الجماعة أن يحل نفسه.

يرى مؤيدو قرار حل المجلس بأنه "نفّس" الأزمة الداخلية والخارجية في الجماعة. في حين يرى معارضوه أنه كان عقوبة لقيادة الجماعة التي لم تتعافَ من قصف الانتخابات. وأظهر الجماعة منقسمة في وقت يتطلب أن تبدو موحدة. واستغل القرار باعتباره انتصارا لتيار "حماس" أو التيار الرابع كما يحب كثير من الإخوان تسميته. فهم ليسوا من "الصقور" أو "الحمائم" أو "الوسط".

فلا يختلف الإخوان جميعا على دعم حماس تنظيما وفكرة ومشروعا. حتى من يصنفون بأنهم خصوم تيار "حماس" لم يكونوا بعيدين يوما عن الحركة. فأكبر قضية تهريب سلاح مطلع التسعينات كان من أبرز المتهمين فيها نمر العساف وممدوح المحيسن. وهما ليسا من مخيم البقعة ولا غزة. واحد من شيوخ العدوان والآخر من جهاء الطفيلة.

يتفق رموز التيار الرابع وتيار الوسط على تشخيص واقع الجماعة حاليا. وأيا كانت النتائج النهائية للانتخابات يسعون إلى الوصول إلى "توافق" على البرنامج السياسي للجماعة ويرفضون منطق "المحاصصة". ومشكلة الانتخابات الأخيرة أنها شهدت عزوفا عن الترشيح من رموز التيارين (مثل سعود أبو محفوظ ورحيل الغرايبة)، وسيحتاج أعضاء مجلس الشورى إلى "جلسة تعارف" لأن الانتخابات دفعت بأعضاء عاديين في الجماعة إلى مواقع قيادية على غير رغبة منهم.

لا يستطيع التيار الرابع ولا الوسط "تفكيك ألغام العلاقة الأردنية الفلسطينية"، وهم ورثوا واقعا لم يختاروه. ولا توجد أوهام لديهم. لكنهم يتمسكون تماما بـ"الجسر الذي يربط بين الضفتين ممثلا بالجماعة الأم" ويدركون أن ثمة استهدافا للجماعة باعتبارها المكون الوحيد العابر للضفتين.

يوجد في الإخوان "عقول صغيرة" تسعى إلى الاستئثار، وهي لا تحظى بأكثرية داخل التنظيم. تتجه أكثرية الإخوان بعد الانتخابات إلى تحقيق توافق على برنامج سياسي. وعلى مستوى قيادة التنظيم يعامل سالم الفلاحات بوصفه رجل "إجماع" ولا يطرح بديل منه بشكل جدي. ويتيح النظام الداخلي للجماعة تشكل فريق قيادي يحقق "قيادة متجانسة منسجمة"، فالمراقب العام يشكل المكتب وله أن يعين عشرين في المائة من أعضاء المكتب من خارج مجلس الشورى. وفي النهاية لا بد أن يحصل المكتب على ثقة المجلس. كما أن مجلس الشورى يعين خمسة أعضاء من غير المنتخبين.

كسب سالم الفلاحات كثيرا من الخصوم داخل الجماعة وخارجها بسبب شخصيته الصارمة، لكنه في المقابل كسب احترام الجميع. فهو ليس من النوعية التي تناور وتهادن لتمرير موقف. وربما لا تكون شخصية كهذه تعبيرا عن "التوافق" الذي تسعى إليه الأكثرية. يرد على ذلك بأن مشكلة الجماعة مع المراقب العام السابق بأنه كان مرنا إلى درجة أضعف موقف التنظيم.

مهما كانت الرهانات، فإن مجلس شورى الإخوان، يؤكد أن الجماعة تشكل نموذجا نادرا في إدارة الخلافات مؤسسيا وديمقراطيا وتداول القيادة بحسب صندوق الاقتراع. وهو ما حافظ على وحدة الجماعة في وقت تشظت فيه أكثرية الحركات السياسية أو تحولت إلى "حاشية" في خدمة الزعيم الذي لا يتغير.

abuhilala@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الموضوعيه المفقوده (صالح عباس)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    لم يعد سهلا ان تجد مقالا موضوعيا يتناول هذه القضيه الحساسه
    فالاخوان لا يخرجون هذه النقاشات الى العلن و يفضلون ان تبقى سريه داخليه بعيده عن التدول العام
    و عادة من يكتب من خارج الاخوان يكون متحاملا. فنرى تهجمات و كولسات و اخبار تضخم و اخبار تحمل على غير حقيتها فنشعر ان الحديث عن الشياطين انفسهم.
    قراءه محايده موضوعيه مهمه وتستحق ان تاخذ مجالها في الحوار و النقاش
    كل المقال شد انتباهي لكن اكثر ذلك قولك عن الاخوان: "باعتبارها المكون الوحيد العابر للضفتين"
    هذا مهم جدا
    اعتقد ان الاخوان اهم جسر يربط بين الضفتين -اذا كان لم يكن الجسر الوحيد-
    طبعا غير الجسر المادي الموجود على الحدود
    من الخطر جدا ضرب هذا الجسر
  • »باسل رفايعه (غريب الدار)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    استاذ ياسر...هل يمكن أن تخبرني بسبب منع احد افضل الكتاب الاردنيين(باسل رفايعه) من الكتابه.
  • »تيار رابع تيار حماس ؟ (ياسر أبو هلالة)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    "انتصارا لتيار "حماس" أو التيار الرابع كما يحب كثير من الإخوان تسميته. فهم ليسوا من "الصقور" أو "الحمائم" أو "الوسط". " أنا أتحدث عن تسميات ، مثل الصفور وأنالا أعتقد أنه بالممضون صقور، الأعلام سمى التيار تيار حماس وأنا تعاملت مع التسمية . مثل الصقور والوسط وغيرها. التسمية الأدق هي " التيار الرابع" أرجو أن تقرأ مقالي في السجل " حماس والإخوان تداخل كياني أم تدخل تنظيمي " .
    إطمأن، أنا مع التحالف والشراكة مع حركة حماس.
  • »لا للمهادنة (فالح قطيشات)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    نعم ايها الاخوان المسلمين الذين احبكم ،،، نعم أخي الذي احبك في الله ياسر أبو هلالة ،،، نعم يا من أفرز فكركم حركة حماس نصرها الله واعلا رايتها ،،، نعم يامن جدد قائدكم عبدالله عزام الجهاد في العصر الحديث ،،، لكني أقول لكم وان محب لكم :
    لا لوسطيتكم السلبية
    لا لمهادنتكم الحكومات الكفرية
    لا لولئكم لمن يوالي الكفار
    لا للبعد عن العمل المسلح
    لا للمحافظة على الحدود مع اليهود
    لا لا لا
  • »منهج (الدكتور سري العمر)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    مقال الاستاذ ياسر يدل ان العيب ليس في الاخوان فلهم مؤسساتهم و منهجهم الثابت لكن العيب في من بدّل و غير و زور .الاخوان بشر يخطؤن و يصيبون لكن المنهج يلتزم بحد معقول من الثبات .
  • »احسنت (المحامي محمد العودات)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    السيد ابو هلالة احسنت واحسن اللة اليك تبقى القلم المحايد عندما باع الاخرون اقلامهم او اجروها تحت الطلب ان مدحوا كال المديح وان نقموا اشعل راس قلمة نار تصب على رؤوس الاخرين دمت ودام القلم الاردني المحجل رمز للحرية الصحفية الاردنية
  • »المشكلة تكمن في ارتفاع اسعار اللحم البلدي (محمد علي)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    عزومة مناسف معتبرة للمذكورين اعلاه وتتلخبط كل تحليلاتك يا استاذنا الكريم
  • »الاحترافية السياسية (البوريني)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    السؤال الذي يدور في ذهن كل مواطن أردني: لماذا الحكومة تضع الأخوان المسلمين بين فكي كماشة؟
    يعني حركة الأخوان تفرط في الاعتدال ولم تسلم من الحكومات المتعاقبة على الساحة الأردنية.
    لماذا هنالك ملف أمني اسمه الأخوان؟
    يعني الأجدر بالحكومة الأردنية أن تتعامل باحترافية مع جماعة الأخوان وازالة كل أشكال التوتر معها فهي الشريحة الأوسع والدليل الانتخابات النيابية والجامعات والبلديات....الخ
    يجب توسعة نقاط الاتصال والتواصل والشفافية في التعامل من دون التأثر بضغوط خارجية تعمل على شحن الشارع الأردني من دون مبرر
  • »محب لابو هلالة (سامي العظم)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    أخيرا اعترفت ان في الاخوان تيار حماس بعد أن كنت تنكر في كل مقالاتك السابقة. الحمدالله أنك استطعت ان تدرك الحقيقة حتى لو بعد حين.
  • »مقال رائع (علي)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    مقال رائع و تحليلي بعدا عن ألإنشاء و الافكار المقولبه .
  • »تحليل رائع (مروان)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    كالعادة يحلق ابوهلالة بتحليلاته الرائعة التي تنم عن اضطلاع على المعلومات وتفسير منطقي لها .

    اصدقك القول انك افضل من يكتب في الغد هذه الايام .

    الى الامام
  • »بوركت (وائل أبو هلال)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    قد لا أتفق مع كل ما قلت لكني لا أملك إلا أن أقول بوركت على شيء من الموضوعية بتنتا نادرا ما نحس بها بالذات فيما يتعلق بأي موضوع يمس الإسلاميين عموما
    بوركت مرة أخرى
  • »تحليل مميز (مغترب)

    الثلاثاء 25 آذار / مارس 2008.
    الاخ ياسر,

    تحليلك على مستوى عالي من الحرفية المهنية. اتمنى لك التوفيق كاتبا وطنيا محبا للاردن و ترابه, ملتزمابمبادئك.