جذور الأزمة المالية الأميركية

تم نشره في الأحد 23 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

كمبريدج ـ إن المحاولات اليائسة التي يبذلها بنك الاحتياطي الفيدرالي لمنع الاقتصاد الأميركي من الغرق جديرة بالاهتمام لسببين على الأقل. الأول أن الرأي الذي كان سائداً منذ بضعة أشهر كان يؤكد أن الولايات المتحدة سوف تنجح في تجنب الركود. والآن يبدو أن الركود بات مؤكداً. والسبب الثاني أن تحركات بنك الاحتياطي الفيدرالي تبدو غير مؤثرة. فعلى الرغم من التخفيض الكبير في أسعار الفائدة ورغم مبادرة بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى دعم السيولة في البنوك التي تفتقر إليها، إلا أن الأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم.

نستطيع أن نقول إن بنك الاحتياطي الفيدرالي كان مسؤولاً إلى حد كبير عن الأزمة الحالية، بمساعدة من التفكير المغرق في الأحلام والتمني من جانب إدارة بوش. الحقيقة أن ألان غرينسبان يُـعَد واحداً من أهم المسئولين عن الأزمة، وهو الذي ترك رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الحالي بِن بيرنانك في موقف رهيب. إلا أن بيرنانك كان أحد محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي أثناء ولاية غرينسبان، ولقد فشل هو أيضاً في تشخيص المشاكل المتنامية الناتجة عن السياسات التي انتهجها البنك.

ترجع جذور الأزمة المالية الحالية إلى العام 2001، حين كانت موجة ازدهار الإنترنت على وشك الانتهاء، وأثناء صدمة الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. عند تلك النقطة فتح بنك الاحتياطي الفيدرالية محابس السيولة النقدية في محاولة لمكافحة التباطؤ الاقتصادي. فقد عمد بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى ضخ المال في شرايين الاقتصاد الأميركي ولجأ إلى تخفيض أسعار الفائدة الرئيسية ـ أسعار الفائدة على الصناديق الفيدرالية ـ من 3.5%  في أغسطس/آب 2001 إلى 1% فقط بحلول منتصف العام 2003. واستمر بنك الاحتياطي الفيدرالي في العمل بهذه الفائدة لمدة أطول مما ينبغي.

إن التوسع النقدي يجعل الاقتراض أكثر سهولة عموماً ويخفض من تكاليفه في كافة قطاعات الاقتصاد. كما يعمل التوسع النقدي أيضاً على إضعاف العملة ورفع معدلات التضخم. ولقد بدأ كل ذلك في الحدوث في الولايات المتحدة.

بيد أن السمة المميزة هذه المرة تتلخص في أن موجة الاقتراض الجديدة تركزت في قطاع الإسكان. ويبدو أن انخفاض أسعار الفائدة يحفز الناس عموماً إلى شراء المساكن، ولكن في هذه المرة، كما أصبحنا ندرك الآن، سارعت البنوك التجارية والاستثمارية إلى ابتكار آليات مالية جديدة عملت على توسيع حدود الائتمان الخاص بالمساكن لصالح المقترضين دون الحصول على الضمانات الكافية. كما تقاعس بنك الاحتياطي الفيدرالي عن تنظيم هذه الممارسات المريبة. وفي النهاية كان بوسع أي شخص أن يقترض ليشتري مسكناً بدفعة أولى بسيطة للغاية أو بدون دفعة أولى على الإطلاق، وبأقساط موزعة على سنوات طويلة في المستقبل.

ومع تضخم موجة ازدهار قروض الإسكان ارتفعت أسعار المساكن نتيجة للإقبال على الشراء، الأمر الذي جعل البنوك تشعر بالأمان حين تمنح القروض لمن لا يملكون الضمانات الكافية. ففي النهاية كان بوسع البنك أن يستحوذ على المسكن إذا ما تأخر المقترض عن السداد، وبعد أن تكون قيمة المسكن قد ارتفعت. أو هكذا كانت النظرية. وكان نجاح هذه النظرية يتوقف بطبيعة الحال على استمرار أسعار المساكن في الارتفاع. ولكن بمجرد بلوغ الأسعار أعلى قمة لها ثم توجهها نحو الانحدار، أصبحت شروط الإقراض أكثر إحكاماً، واضطرت البنوك إلى استرداد المساكن من المقترضين المتخلفين عن السداد، ولكن بعد أن أصبحت قيمة المساكن لا تغطي قيمة الدين.

المذهل في كل هذا كان الكيفية التي وقف بها بنك الاحتياطي الفيدرالي، أثناء ولاية غرينسبان، كالمتفرج أثناء تضخم فقاعة الائتمان على نحو أوشكت معه على الانفجار. بطبيعة الحال، ظهر بعض المتشائمين، إلا أن عددهم لم يكن كبيراً في القطاع المالي نفسه. حيث كانت البنوك مشغولة بجمع الرسوم على القروض الجديدة ومنح مديريها مكافآت فلكية.

في لحظة حاسمة في العام 2005، أثناء عمله كأحد محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي، وقبل أن يتولى رئاسته، وصف بيرنانك موجهة ازدهار الإسكان بأنها تعكس نظاماً مالياً حصيفاً وجيد التنظيم، وليس بأنها فقاعة خطيرة. حتى أنه زعم أن الكميات الهائلة من رأس المال الأجنبي التي تدفقت عبر بنوك الولايات المتحدة إلى قطاع الإسكان كانت بسبب تقدير المستثمرين الدوليين لـِ"قوة وحنكة الأسواق المالية في الولايات المتحدة (الأمر الذي سمح بين عوامل أخرى للأسر الأمريكية بالوصول بسهولة ويسر إلى الثروة العقارية)".

أثناء العامين 2006 و2007 بلغت الفقاعة المالية، التي تسببت الآن في إسقاط المؤسسات المالية التي كانت عاتية القوة ذات يوم، بلغت ذروتها. وكانت دفاتر موازنة البنوك أثناء تلك الفترة عامرة بكميات هائلة من القروض العقارية الخطيرة المحزومة في أشكال مقعدة من الأدوات المالية التي جعلت من تقييم حجم المجازفة أمراً بالغ الصعوبة. ثم بدأت البنوك في إبطاء سرعتها في منح القروض الجديدة، وبدأت معدلات التخلف عن سداد أقساط الديون العقارية في الارتفاع. وبلغت أسعار الإسكان ذروتها مع تباطؤ الإقراض، ثم بدأت بعد ذلك في الانحدار. وبحلول الخريف الماضي انفجرت الفقاعة، وبدأت البنوك التي منحت قروضاً عقارية ضخمة في الإبلاغ عن الخسائر الضخمة، التي كانت كافية في بعض الأحيان لتدمير البنك ذاته، كما حدث مع بنك بير شتيرنز (Bear Stearns).

مع انخفاض معدلات الإنفاق بسبب انهيار أسعار المساكن، بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي منذ خريف 2007 في تخفيض أسعار الفائدة، في محاولة لمنع الركود الاقتصادي ومساعدة البنوك المتعثرة. إلا أن التوسع في الائتمان هذه المرة لم يعد يتدفق إلى قطاع تشييد المساكن، بل إلى المضاربة في السلع والعملات الأجنبية.

والآن أسفرت السياسة النقدية المتساهلة التي انتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي عن ارتفاع معدلات التضخم بدلاً من استرداد العافية الاقتصادية. فقد قفزت أسعار النفط والغذاء والذهب إلى أرقام تاريخية قياسية، وانخفضت قيمة الدولار إلى مستويات لم يسبق لها مثيل. وأصبح سعر اليورو الآن حوالي 1.6 دولار أميركي بعد أن كان 0.9 دولار في شهر يناير/كانون الثاني 2002. ورغم ذلك، ما زال بنك الاحتياطي الفيدرالي، في محاولاته اليائسة لتجنب الركود، مستمراً في ضخ المزيد من النقود في شرايين النظام، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الضغوط التضخمية.

الآن أصبح بنك الاحتياطي الفيدرالي عاجزاً عن منع انحدار اقتصاد الولايات المتحدة في الأمد القريب، بل وربما ما هو أسوأ من الانحدار قصير الأمد. فإذا ما استمر البنك في التوسع النقدي، فلن يعجز عن منع الأزمة فحسب، بل وقد يدفع الاقتصاد أيضاً إلى حالة من التضخم المصحوبة بالانكماش. يتعين على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يكون حريصاً على منع أي انهيار في السيولة، وإبقاء معدلات التضخم تحت السيطرة في نفس الوقت، علاوة على تجنب دعم القروض الرديئة بأموال دافعي الضرائب دون ضرورة قوية تدفعه إلى ذلك.

ربما انتشرت بعض التأثيرات المشابهة إلى مختلف أنحاء العالم، حيث باتت موازنات البنوك الأجنبية أيضاً تحتوي على قروض عقارية رديئة تابعة للولايات المتحدة. بل وربما تتمكن الأزمة المالية من العالم كله في أسوأ الأحوال. بيد أن الفرصة ما زالت قائمة في أن تنحصر دورة الهبوط الاقتصادي في الولايات المتحدة بصورة أساسية. وأنا أعتقد أن الضرر الذي سيتحمله الاقتصاد في بقية أنحاء العالم من الممكن أن يظل محدوداً.

* جيفري ساش أستاذ علوم الاقتصاد ومدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق