من الذي يراهن على الحصان الخاسر؟

تم نشره في السبت 22 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

نشكو في بلادنا باستمرار من التأييد الاميركي المطلق لاسرائيل، ونشهد تسابقا محموما من قبل المرشحين لخلافة بوش على تأكيد من هو الاكثر التزاما باسرائيل وبأمنها وبوجودها، وبتبني مواقفها ومصالحها، وبالمقابل بمعاداة كل من يناصبها العداء، او يتصدى لمخططات عدوانها واحتلالها لاراضي غيرها ومواصلة توسعها.

ونشهد الشيء ذاته يتردد في اوروبا، وبصيغ مختلفة في الكثير من الاوساط الدولية المعنية، في الامانة العامة للامم المتحدة على وجه التحديد.

الكل يحابي اسرائيل، وقلما فوت مسؤول من تلك البلاد فرصة دون ان يعبر فيها عن دعمه لاسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها في وجه الارهاب الذي يهددها.

قبل ايام زارت اسرائيل المستشارة الالمانية انجيلا ميركل مع وفد وزاري الماني كبير، في الحقيقة غير مسبوق، ورددت المستشارة الالمانية نفس الاسطوانة المألوفة، الدعم المطلق لاسرائيل وامنها، ادانة صواريخ القسام، ادانة ايران ورفض برنامجها النووي، حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها. ذلك طبعا بالاضافة للاعتذار عن المحرقة والعار الذي لحق بالمانيا جراء ذلك.

"ان القتل الجماعي لستة ملايين يهودي، الذي ارتكب باسم المانيا، قد تسبب بمعاناة لا يمكن وصفها للشعب اليهودي، ولاوروبا وللعالم بأسره"  قالت السيدة ميركل امام الكنيست الاسرائيلي. واضافت: "ان المحرقة تغمرنا نحن الالمان بالعار. انني انحني امام الضحايا، وانني انحني امام الناجين، وامام كل من ساعد على تمكينهم من النجاة".

الى هنا فالامر يتعلق بالتاريخ غير البعيد، وبجرائم وقعت في المانيا واوروبا، جرائم مرفوضة بكل المقاييس، وبالتالي فالاعتذار عنها تصويب لازم، ويجدر ان يكون النموذج للاعتذار عن كل الجرائم السابقة واللاحقة بحق الشعوب الاخرى، جرائم الابادة، وسلب الارض والاوطان، وما لحق بالشعب الفلسطيني هو المثل الابرز على ذلك.

اذن، عندما يتعلق الامر بالاعتذار للشعب اليهودي عما الحق به من جرائم من قبل المسؤول عن تلك الجرائم فتلك مسألة طبيعية ومستحقة، ما هو غير طبيعي وغير مقبول هو استمرار التبرع بحقوق ومصائر الشعوب الاخرى للتكفير عن الجرائم التي ارتكبت بحق اليهود.

لقد ردد الكثير من المؤرخين عبر العقود السالفة نظرية "عقدة الذنب الاوروبية" تجاه اليهود كسبب مباشر لتمكينهم من اقامة دولة لهم على حساب الشعب الفلسطيني. وكم تجاوز هذه المرحلة حيث قامت اسرائيل منذ ستين سنة، ليس فقط على المساحة التي خصصها قرار التقسيم، اي 56% من ارض فلسطين التاريخية، بل على 78% من فلسطين بعد ان تمكنت القوات اليهودية من احتلال الارض الاضافية في حرب 1948 وفق ما خصصته الجمعية العامة للامم المتحدة بموجب قرار التقسيم.

ولقد قبل العرب وقبل الفلسطينيون باسرائيل في حدود الرابع من حزيران 1967، ولكن اسرائيل هي التي لا تقبل بذلك. والمشكلة البالغة الشدة هي الدعم الدولي لاسرائيل، ليس كما قبل بها العرب، اي في حدود الرابع من حزيران، بل كما توسعت خلال حرب 1967، وكما احتلت من اراض سورية ولبنانية، وكما بسطت احتلالها على كل فلسطين، وضمت القدس، والجولان وزرعت المستوطنات وخلقت الحقائق الجديدة على كل الاراضي المحتلة منذ 41 سنة.

ان تعترف اية دولة اخرى بحق اسرائيل في الوجود، في الحدود التي قبل بها القانون الدولي، او ان تعبر اية دولة عن دعمها وتأييدها وتهاونها وتعاملها مع اسرائيل بأية صورة شاءت، فذلك امر يخصها. ولكن، لا العرف ولا القانون، ولا المبادئ الاخلاقية والانسانية تسمح بأن تكون محاباة اسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والحقوق العربية الاخرى. وليس من حق احد ولا من حق اية دولة ان تقدم تلك الحقوق، المقر بشرعيتها دوليا وقانونيا، هدايا لاسرائيل طلبا لرضاها ومن اجل التقرب اليها.

فالمرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية "ماكين" يقدم القدس كعاصمة موحدة ابدية لاسرائيل ويعلن ذلك خلال جولته الاخيرة في المنطقة. ومن قبل كان الرئيس الاميركي قد قدم ضمانا خطيا لرئيس وزراء اسرائيل عام 2004 بأن اية تسوية مع الفلسطينيين يجب ان تأخذ الحقائق المقامة على الارض، اي المستوطنات، بنظر الاعتبار، اضافة لشمول تلك الضمانات على ان اية ممارسة لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين يجب ان تكون فقط لارض الدولة الفلسطينية المنتظرة. تماما كما كانت الحال بالنسبة لوعد بلفور قبل 90 سنة بمنح فلسطين كوطن قومي لليهود من قبل من لا يملك فلسطين، تشهد من يمنح حق الاستيطان على ارض محتلة لمن يحتلها، ونشهد اسقاط حق العودة دون علم اصحاب الحق او مشورتهم.

وما هذه الا امثلة محدودة من قائمة طويلة من الحالات المشابهة للتسابق على تقديم الحقوق الفلسطينية لاسرائيل استجداء لرضاها وخطبا لودها. فقد تنازل الرئيس الفرنسي منذ اشهر عن حق العودة ايضا، وهنالك عشرات التصريحات التي اعترفت لاسرائيل بحق الابقاء على القدس الموحدة عاصمة لها، كما اقرت لاسرائيل بانكار حقوق ضحايا عدوانها واحتلالها.

مرة اخرى، ولن تكون الاخيرة، هي المعايير المزدوجة والنفاق الدولي الذي استفحل واجتاز كل الحدود المعقولة حتى الصحافة الاسرائيلية انتقدت المقاربة الاحادية الجانب للضيفة الالمانية حيث ذكر الكاتب الاسرائيلي توم سيغف (في هارتس 19/3/2008) بان المدينة التي تحدثت منها السيدة ميركل، القدس، هي التي يقبع ثلث سكانها تحت الاحتلال لمدة تجاوزت الاربعين سنة، وهي مدينة مقسومة بجدار يعيد الذاكرة لجدار برلين.

واضاف توم سيغف، معلقا على موقف وخطاب المستشارة الالمانية، بالقول: "حقا لقد وصفت صواريخ القسام على سديروت بانها جريمة، ولكنها لم تقل كلمة واحدة عن انتهاكات حقوق الانسان المتكررة في الضفة الغربية، ولا عن قصف الاحياء السكنية في غزة، ولا عن المستوطنات".

وقد لاحظ الكاتب ان الكاميرا التقطت اولمرت وهو يقول لضيفته ميركل بان كل العمال الذين يقومون ببناء منزل مقابل سكنه هم من العرب، فهزت رأسها ردا على ملاحظته.

ازاء هذا الوضع المزري، نحن العرب نلوم اولئك الذين يتاجرون بحقوقنا، ونندد بازدواجية معاييرهم، وحتى بنفاقهم وبمحاباتهم على اساس ان الحق بجانبنا. ولكننا ننسى ان التاريخ لا يرحم الضعفاء وحتى الحق لا يخدم الا الاقوياء.

ليس لنا اي مبرر ان نكون كذلك، كميّة مهملة لا يحسب لها حساب. لماذا يراهن علينا وكل مصالح الدول التي تراهن على خصمنا مؤمنة أننا لا نملك القدرة على ان "نزعل"، وذلك اضعف الايمان!

مع الاسف اننا الجانب الذي لا يغري احدا للمراهنة عليه، فنحن الخاسرون على الدوام، ويجب ان يبقى نصب العين قول الشاعر: "نعيب زماننا والعيب فينا".

* مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق