د.أحمد جميل عزم

"غسل الإرهاب"

تم نشره في الخميس 20 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

إذا كان عماد مغنية، الذي تم اغتياله في دمشق يوم12 شباط/ فبراير الماضي، هو القائد العسكري، أو على الأقل قائد عسكري في حزب الله، فإنّ ذلك سبب كافٍ لتأكيد أهميّته وتميزه، وقد أكد أمين عام حزب الله، حسن نصرالله أنّ مغنيّة عنصر قيادي رئيسي في انتصار الحزب على إسرائيل عام2006 وفي عمليات أخرى نالت من إسرائيل، ما يعزز الأسباب للنظر إليه باعتباره من أبطال المقاومة، إن لم يكن من أهمهم، ولكنّ ذلك لا يجيب عن أسئلة مهمة، ولا يوضح تماما من هو مغنية؟ وخصوصا فيما يتعلق بما يثار حول صلته بنشاطات إرهابية في عدد من الدول العربية ودول العالم. ولعل أحد أبرز تداعيات اغتيال مغنية،حتى الآن، هو ما حدث ويحدث في الكويت، فقد أدى قيام نائبين في البرلمان بإقامة مجلس تأبين لمغنية ووصفه بالشهيد، إلى ما يشبه الفتنة الطائفية هناك، حيث يتم تداول اسم مغنية في الكويت منذ سنوات طويلة باعتباره مسؤولا عن اختطاف طائرة كويتية، في نيسان/إبريل عام 1988، بهدف الإفراج عن متورطين بالإرهاب في الكويت لم يكن سببا كافيا برأي من نظموا التأبين والعزاء للتمهل والقيام بما قد يكون ضروريا لمنع مثل هذه الفتنة.

لقد أكد رهائن عدّة ممن كانوا على متن الطائرة المعروفة باسم "طائرة الجابرية"، أنّ مغنية كان قائد العملية، وقد أكدوا ذلك منذ العام1988، بعد أن شاهدوا صور مغنية آنذاك ضمن المشتبه بهم لدى الأجهزة الأمنية الكويتية بعد الإفراج عنهم، أي قبل التوتر الأخير في علاقات دول عربية عدة مع حزب الله اللبناني، وأعاد هؤلاء تأكيد الأمر بعد نشر صور مغنية مؤخرا عقب الاغتيال.

 كان المنطق يقتضي أن يقوم حزب الله ومنذ وقت طويل بإعلان عدم مسؤولية مغنية عن هذه العملية وشبيهاتها، إن لم يكن مسؤولا فعلا، والغريب أنّ نصرالله، في خطابات التأبين لمغنية لم ينف هذه الاتهامات وغيرها. كما أنّ الحرص على الوحدة الوطنية يقتضي ممن شارك في التأبين أو العزاء العمل على نفي هذه الاتهامات أولا، وآنذاك فإنّه من غير المستبعد أن يكون التأييد والتأبين عامين شاملين لجماهير أعرض، وكان ربما بإمكان النواب المعنيين، أن يعملوا أولا على نفي هذه الاتهامات، واستخدام علاقاتهم مع حزب الله لتقديم الدليل القاطع على البراءة، وكان ذلك سيخدم قضية المقاومة كثيرا.

 وما ينطبق على النواب الكويتيين، ينطبق على بعض القادة في المقاومة الفلسطينية ممن شاركوا في التأبين والعزاء لمغنيّة، رغم أنّ بعض هؤلاء وخصوصا من حركة "حماس" كانوا يعيشون في الكويت وقت وقوع قضية "الجابرية".

 ومع التباين بين حالة مغنية، وحالة أشخاص آخرين مثل أبومصعب الزرقاوي، وآخرين قتلوا في العراق،(ومسؤوليتهم أكيدة وثابتة في استهداف مدنيين في الأردن وغيره)،فإنّ ما فعله النائبان الكويتيان، دون القيام بنفي التهم بشكل يريح الشارع والضحايا لا يبتعد كثيرا عما فعله برلمانيون وقيادات من الحركة الإسلامية في الأردن من التعزية بوفاة الزرقاوي وغيره، وما حصل في الحالتين ينم عن خلل كبير في فهم وأداء بعض السياسيين، وهذا الخلل يتلخص في نقطتين اثنتين:

1- إن هناك ميلا لتبني موقف خطير وخاطئ مفاده، أنّ قتال الاحتلال والغزاة والإسرائيليين، يجيز أو يغفر قتل عرب ومسلمين ومدنيين ورسميين وأبرياء والاعتداء عليهم وتخريب ديارهم.

2- إنّ قيام قيادات كثيرة من الإسلاميين وغيرهم بتمجيد هؤلاء المتورطين في الإرهاب والاغتيالات والقتل الجماعي والعنف الأعمى أو حتى المتهمين به، هو نوع من أنواع ""غسل الإرهاب"، فكما توجد أموال من نشاطات غير مشروعة يُلجَأ فيها إلى ما يعرف بغسل الأموال لجعلها تبدو من مصادر مشروعة، فإنّ غض النظر عن الجرائم، والاكتفاء بتمجيد ما يَرى على أنّه مقاومة وبطولة هو بالضبط نوع من غسل الإرهاب.

 لا يمكن إدانة عماد مغنيّة من دون تحقيق ومحاكمة عادلتين ودقيقتين، فإذا ما تمت تبرئته فنحن نتحدث عن عقلية عبقرية في المقاومة تستحق الإشادة وكان الأجدر بمن يدافع عن مغنيّة أن يتصدى لهذه المهمة، أمّا الإشادة به وبآخرين واعتبارهم شهداء ومناضلين بسبب قتالهم الاحتلال والغزو الأجنبي مع إهمال أعمال أخرى واتهامات قائمة وبشهادة شهود أحياء يرزقون، فإنّه يقود إلى أخطار مختلفة مدمرة.

*باحث أردني مقيم في الإمارات

 aj.azem@gmail.com 

التعليق