محمد برهومة

إعادة فتح السفارات العربية في العراق

تم نشره في الخميس 20 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

في الذكرى الخامسة للغزو الأميركي للعراق، وإسقاط نظام صدام حسين، تبرز هذه المرة بإلحاح، أكثر من ذي قبل، مسألة الحضور العربي السياسي والاقتصادي في العراق، وطبيعة هذا الحضور ومستواه.

 فمع أن الأمن في العراق ما يزال هشّا ومقلقا، فإنه لم يصل في تحسنه لدرجة أفضل مما هو عليه اليوم منذ آذار(مارس)2003. والعراق يستعد لمفاوضات مع الولايات المتحدة في إطار وثيقة المبادئ التي وقعها رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، مع الرئيس الأميركي، جورج بوش، في واشنطن نهاية العام الماضي، والتي تتحدث عن مستقبل العلاقة بين واشنطن وبغداد، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في هذا البلد. والشأن العراقي مسألة حاضرة في سياق التنافس الانتخابي على الرئاسة الأميركية بين المرشحين الثلاثة جون ماكين وباراك أوباما وهيلاري كلينتون.

 وقد توّجت زيارة الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، إلى العراق أوائل الشهر الجاري، مستوى الحضور الإيراني النافذ في العراق، مقابل الغياب العربي لأسباب عدة سنأتي لاحقا في هذا المقال على مقاربتها. والجولة المقبلة للمحادثات الأميركية ـ الإيرانية بخصوص الملف الأمني في العراق، إن تمّت، قد تكتسب إضافة جديدة في ظل هذه التفاعلات.

 وقد نقلت تقارير صحافية أن رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، سيطرح على القمة العربية التي ستنعقد في دمشق نهاية الشهر الحالي، مسألة إعادة فتح السفارات العربية في العراق.

 ولقد شكّل انعقاد الدورة الثالثة عشرة للاتحاد البرلماني العربي في أربيل، عاصمة كردستان العراق، في الفترة ما بين11 إلى13 من هذا الشهر، وبمشاركة18 دولة عربية في هذا الاجتماع، مناسبة ذات دلالة مهمة، لإعادة فتح ملف العلاقات العربية مع العراق، ومستقبل الحضور السياسي والاقتصادي هناك.

 الوجود الدبلوماسي العربي الحالي في العراق، يقتصر على قائمين بالأعمال يمثلون خمس دول فقط هي: لبنان وفلسطين وتونس وسورية واليمن. والغياب العربي سياسيا واقتصاديا ارتبط أساسا بظروف العراق بعد عام2003، وخضوعه للاحتلال. والعراق مايزال تحت الاحتلال، والدول العربية عموما رفضت خيار الحرب، وهي تنظر إلى أن توسيع الحضور السياسي العربي حاليا في العراق قبل انسحاب القوات الأميركية، ربما يفسَر على أنه موافقة عربية على ما جرى. كذلك فإن التركيبة السياسية المؤثرة في حكم العراق اليوم، والتي تسيطر عليها الأحزاب الشيعية المرتبطة بدرجة أو بأخرى بإيران، تثير الهواجس لدى الدول العربية وخاصة دول الخليج التي لا تخفي مخاوفها من احتمالات انتقال المشاكل الطائفية والمذهبية في العراق إلى دولها، وعبر تدخلات إيرانية، والبحرين والكويت مثالان واضحان في هذا السياق.

 ورغم التحسن الطارئ على البيئة الأمنية في العراق، فإنها لم تصل ربما إلى الدرجة التي تكون فيها جاذبة لتوسيع الحضور السياسي والاقتصادي العربي في العراق، أو على الأقل هي لا تبعث على الارتياح الكافي. فما واجهته بعثات دبلوماسية عربية من تحديات في السنوات التي تلت غزو العراق، وصلت حد قتل السفير المصري في العراق، وما تعرّضت له بعثات الأردن والإمارات وغيرهما شواهد على أن الوجود السياسي العربي كان محلّ رفض من قبل شرائح سياسية أو اجتماعية عراقية، أو كان محفوفا بالمخاطر الأمنية، الأمر الذي دفع أو ربما أجبر الجانب العربي على التراجع والتريث. والجانبان العراقي والعربي مطالبان بالإجابة عما إذا كانت هذه الأجواء والتفاعلات ماتزال مستمرة، وتسوّغ استمرارية بقاء السفارات العربية في العراق مغلقة، والتمثيل السياسي والوجود الاقتصادي هناك ضعيفين.

 وربما أن إقليم  كردستان العراق، الأكثر هدوءا واستقرارا، كان استثناء لافتا شهد حضورا عربيا مهما لا سيما في مجال العلاقات الاقتصادية والاستثمار في هذا الإقليم. لكن تفاعلات البيان الختامي لاجتماع الاتحاد البرلماني العربي، الذي انعقد قبل أيام شمال العراق، وتحفّظ فيه نائب رئيس البرلمان العراقي، خالد العطية، القيادي الشيعي في المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عبدالعزيز الحكيم، على البند المتعلق بالجزر الإماراتية الثلاث(طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) التي تحتلها إيران.. هذا الاعتراض والتحفّظ، وتلك التفاعلات أثارت استياء إماراتيا شديدا، وقدّمت مثالا آخر يفسّر طبيعة المعوقات التي تكبح حاليا الحضور العربي الفاعل في العراق. ومع ذلك، ينبغي عدم الاستكانة لهذه العراقيل، إذ لا مجال سوى الحوار الثنائي والجماعي لتجاوز هذه المعوقات، والدفع قدما باتجاه توسيع دائرة المصالح المشتركة، وحسن الجوار، وعودة العراق بفعالية إلى الحاضنة العربية، لأن سياسة الانتظار، دون رؤية استراتيجية محكمة، تعني عطالة سياسية، واكتفاء بمراقبة الحدث ومتابعته دون مسعى للمشاركة في صناعته وصياغة ملامحه.

باحث أردني مقيم في الإمارات

moweanla@yahoo.com

التعليق