لماذا تراجعت تنافسية القطاع السياحي؟

تم نشره في الأحد 16 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

    الى جانب ما جاء به تقرير التنافسية الاقتصادية حول تراجع مكانة المملكة التنافسية خلال العام الماضي، الأمر الذي ينعكس على جلب الاستثمارات الخارجية بالدرجة الأولى، رغم كل ما يفعل من تسريع وتيرة الاندماج في الاقتصاد العالمي وتحرير الأسواق، فقد جاءت أيضا معطيات تقرير تنافسية القطاع السياحي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي قبل أسبوعين لتؤكد حجم الاختلالات في مسار الإصلاحات الاقتصادية من منظور السوق نفسه بغض النظر على الأبعاد والأثمان الاجتماعية المتفق حولها والتي نشاهد تفاصيلها كل يوم.

    على الصعيد الشخصي أدرك ان الكتابة الصحافية اقرب ما تكون الى بحث علمي مصغر أو مبسط ؛ تحتاج التقصي والبحث والمناقشة داخل النص وخارجه، بعيداً عن الإنشاء والأحكام المسبقة والبحث عن  الشعبية، ومن هذا المنطلق ترددت بالكتابة في هذا الموضوع نظراً لما يتوفر حوله من معلومات قليلة ومتناقضة، حيث بحثت عن التقرير الأصلي الصادر عن المنتدى العالمي وقرأته في ضوء عدد من تقارير التنافسية الاقتصادي، تواصلت على مدى أيام مع عدد من خبراء السياحة وأساتذتها الاكاديميين، ووجدت الخلاصة بعبارة واحدة مفادها؛ كيف تتحول عناصر القوة الى تحديات حقيقة، وهي في طريقها نحو التحول الى نقاط ضعف نتيجة سوء إدارة الموارد.

    يوضح تقرير التنافسية السياحية العالمي تفاصيل مؤشر يقيس العوامل والسياسات التي تشجع على تطوير قطاع السياحة والسفر، ويتكون المؤشر من (14) معياراً للتنافسية حيث تراجع الأردن سبع درجات في العام 2007 عن العام 2006؛ ويرصد التراجع في مؤشرات الصحة والنظافة 17 نقطة والبنية التحتية للنقل البري 18 نقطة والموارد البشرية 10 نقاط والبنية السياحية 10 نقاط وتنافسية الأسعار 25 نقطة، في المقابل شهد هذا القطاع نمواً في الاستدامة البيئية 20 نقطة ودعم القطاع 10 نقاط والسلامة والآمان والموارد الطبيعية نقطة واحدة لكل منهما.

    الغريب للوهلة الأولى في هذه النتائج ان التقرير يقيس التنافسية عام 2007 الذي شهد نمواً تجاوز 3% في حجم إسهام هذا القطاع في الناتج الوطني مع تزايد أعداد السياح القادمين الى الأردن ما برر لبعض المسؤولين والمعنيين التشكيك في المعلومات التي أوردها التقرير، على الطريقة الأردنية المعروفة دون النظر في حقيقة المؤشرات والظروف التي حددتها، وفي هذا الشأن يجب الانتباه الى ان الزيادة في الطلب السياحي على الأردن جاءت في النصف الثاني من العام الماضي في حين ان أرقام النصف الأول شهدت تراجعاً في بعض الشهور عن الأعوام السابقة، حيث ارتبط النمو الكبير في النصف الثاني من العام بفوز البتراء في مسابقة عجائب الدنيا الجديدة، وبفعل التعبئة الإعلامية والترويج الذي وفر فرصة نادرة لتسويق الأردن، في هذا الوقت كانت هيئة تنشيط السياحة الأردنية معطلة ومن دون رئيس وتشهد خلافات حول تشريعها الجديد.

    بكل بساطة لا يحق لأحد من الرسميين ولا القطاع الخاص ان يدعي بدور في النمو الذي شهده الطلب السياحي على الأردن منذ شهر أيلول الماضي ولا زال الى هذا الوقت وتحديداً في البتراء والعقبة ورم، ولا يوجد ما يبرر التشكيك في معطيات تقرير التنافسية، فهناك ما نعرفه على الأرض من مشاكل وإعاقات أكثر بكثير مما جاء به التقرير، وهذه النتائج متوقعة حسب ما يقوله حابس سماوي (خبير وأكاديمي في مجال السياحة) نظراً لما يعنيه هذا القطاع من ضعف وتدن في الخبرات البشرية في مختلف المجالات ؛ وأهمها الكوادر الرسمية وكما يبدو انه لا يتوفر لها الخبرة الكافية للاتصال مع المنظمات العالمية والمؤسسات الدولية المعنية بهذا القطاع، وحسب عماد حجازين (أكاديمي وخبير عَمِل في ايطاليا وفرنسا وألمانيا) فان الفجوة بين ضعف إدارة الموارد بالمقارنة مع قوة عناصر الجذب  تفسر هذا التناقض الذي يشير الى تجاوز أهداف استراتيجية سياحية  كانت تطمح الى تحقيق 1.3 بليون دولار عام 2010 حيث ان ما تحقق في العام الماضي تجاوز هذا الرقم،  ومع هذا لم تقدم السياحة قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني ولا تزال الفرص الحقيقية لم تستثمر كما هو الحال في البتراء .

    ما الذي يحدث إذن، وأين يكمن هذا التناقض الكبير؟ بمراجعة السياسات الحكومية نجد انها وجهت السياحة نحو المشاريع العملاقة أو الكبيرة، وأهملت  بل  أعاقت أحيانا المشاريع الصغيرة والمتوسطة ، وهي الجوهر الحقيقي للتنمية السياحية والركيزة الأساسية لها، وهذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي القادرة على توفير فرص العمل لأكبر عدد ، وهي القادرة على بناء الخبرات ونحن نعلم ان كل فرصة عمل مباشرة في هذا القطاع تعني ثلاث فرص أخرى غير مباشرة، الذي حدث ان النمو السياحي يتحقق لصالح الاستثمارات الكبيرة غير الجاذبة للعمالة المحلية وغير المعنية ببناء خبرات محلية وغير المعنية أيضا بمشاركة أوسع للمجتمعات المحلية ، وغير المهتمة  كذلك  بتطوير البنى والموارد المحلية، لأنها مالت نحو الاحتكارات التقليدية التي تخشى بدورها من نمو هذا القطاع خوفاً من ظهور منافسين جدد، فهم يريدون إدارة الأمر الواقع حتى أصبحت هذه الاحتكارات تخشى تطور السياحة أكثر من تراجعها.

    تجاوزت الحكومة حاجز المائة يوم، وأصبح بمقدورها ان تقول كلمتها في الكثير من الملفات، من أهمها ملف السياحة، نحن نعلم حجم ما تتمتع به وزيرة السياحة من كفاءة وما لديها من خبرات وتجارب في مؤسسات مدنية أخرى ما يؤهلها الى مراجعة شاملة لهذا القطاع، تبدأ هذه المراجعة من مصادر إعاقة التنمية السياحية في الإدارة الحكومية نفسها. هناك تراث من الإعاقة آن الوقت للتخلص منه، فالسياحة لدينا يا معالي الوزيرة تحتاج الى دماء جديدة، الى روح ابتكارية وتخطيط علمي ومتابعة حثيثة، وانفتاح  على المجتمعات المحلية المضيفة يوازي الانفتاح على العالم.

Basim.tweisi@alghad.jo  

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أعادة تاهيل الوزارة (اكاديمي)

    الأحد 16 آذار / مارس 2008.
    على الرغم من الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع إلا أن السياحة لا تسجل بندأ مستقلا في حسابات الدخل القومي الأردني. مع العلم بأن عائدات السياحة هي المصدر الثاني من العملات الصعبة بعد تحويلات العاملين. للعلم وكما ذكر الكاتب من أهداف الإستراتيجية تحقيق 1.3 بليون في 2010 ولكن عائدات العام الماضي فاقت هذا الرقم.
    استفادة القطاع من السياسات الحكومية – (الخصخصة ). جل الفائدة كانت في الدرجة الأولى للمشاريع العملاقة . إذ لا ترى السياسات الحكومية المشاريع (الصناعات ) الصغيرة والمتوسطة كقوة هامة في الاقتصاد وخاصة في السياحة وقد تم تشجيع العملاقة على حساب المحلية. في حين تشير العديد من الدراسات والأبحاث إلى زيادة عدد الدراسات عن المؤسسات السياحية الصغيرة في الدول النامية , لمعرفة مدى وجود فرصة لتنمية السياحة المستدامة . وهذه الأنماط تتطلب مؤسسات ذات أحجام صغيرة يديرها المواطنون المحليون . يعد هذا القطاع (المؤسسات الصغيرة والمتوسطة) الحاضن الرئيس للأشخاص الأقل تعليما وأقل حظا. وفي الختام أطلقت الوزارة على موقعها الالكتروني مبادرة الخريطة الاستثمارية في المشاريع السياحية. كيف نطلق مبادرة جديدة ومثل هذه المؤسسات في أكثر المواقع السياحية جذبا للسياح يعاني من تهديد استملاك البنوك لها؟ للعلم تواجه المؤسسات السياحية الصغيرة والمتوسطة في البتراء ظروف صعبة في مواصلة تقديم خدماتها حيث أقدم أكثر من 20 صاحب فندق في البتراء على تسليم مفاتيح تلك المنشئات لمعالي رئيس مجلس النواب أكثر من مرة.
  • »قطاع هام ينقصه الاهتمام (متخصص)

    الأحد 16 آذار / مارس 2008.
    الاستاذ باسم المحترم،
    نشكر لك طرح هذا الموضوع الهام والذي لم يتنبه له احد على الرغم من اهميته وخاصة الاقتصادية. ان الوزارة لم تتكلف حتى بالرد او مناقشة الموضوع. نامل ان يتم الالتفات لهذا القطاع واععطائه الاهمية التي يستحقها.