وهم إصلاح تمويل الحملات الانتخابية

تم نشره في الجمعة 14 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

نظام تمويل حملات الانتخابات الرئاسية، وهو النظام العاجز والمكروه، قد احتل فجأة مركز الصدارة في انتخابات هذا العام—حيث يجد كل من السيناتور جون ماكين والسيناتور باراك أوباما نفسيهما بين المبادئ التي دعوا إليها منذ زمن بعيد ومصلحتهما الذاتية.

لقد كان ماكين وأوباما يفاخران منذ أمد طويل بتأييدهما لوضع رقابة قوية على استخدام المال في السياسة. ولكن الآن فإن كلاً منهما يود لو يستطيع أن يتحاشى أخذ أموال عامة. وهنا نجد السخرية فيما يتعلق بإجراء "إصلاح" على تمويل الحملات الانتخابية.

يعود نظام تمويل الحملات الانتخابية للرئاسة إلى عام 1974، بعد استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون. في ذلك الحين كان الديمقراطيون يملكون أغلبية كبيرة في الكونغرس، بيد أن مرشحيهم للرئاسة كانوا يواجهون صعوبات خطيرة في تمويل حملاتهم.

ورغم جميع ما يقال عن "الإصلاح" والفساد، والأنظمة التي تقيّد تمويل الحملات الانتخابية، فإن جميع هذه الأقوال هي في الواقع تتصل بتسخير الانتخابات لدعم المصالح الذاتية. فمنذ العام 1960، كان المرشحون الجمهوريون للرئاسة يحوزون على تقدم كبير في جمع الأموال للحملات الانتخابية على منافسيهم الديمقراطيين. ولو كُتب لذلك النمط أن يستمر لكان المرشحون الجمهوريون للرئاسة يجمعون مراتٍ عدة ضعف المبالغ التي يجمعها الديمقراطيون في عام 1976 وما بعدها. بيد أن التمويل العام وضع حداً لذلك التهديد.

القانون يقدم مبالغ متساوية لمرشحي الحزبين الكبيرين كليهما لحملة الخريف الرئاسية—ما دام أنهم لا يجمعون أموالاً من المساهمين الأفراد. وقد فرض هذا مساواةً في جمع الأموال وأوقف التفوق الذي كان يتمتع به الحزب الجمهوري في هذا الميدان.

وبعبارة أخرى، فإن جميع ما يقال حول "الإصلاح" والفساد والأنظمة التي تحكم تمويل الحملات هي في حقيقة الأمر مُسخّرة لتسيير الانتخابات وتوجيهها بحيث تدعم المصالح الخاصة. (في انتخابات العام 1974، كان الديمقراطيون هم المستفيدون في حلبة الانتخابات الرئاسية. قوانين "إصلاحية" أخرى أفادت إلى حد كبير المسؤولين من المرشحين على حساب المرشحين الجدد الذين يتحدونهم. وقوانين أخرى مثل، قوانين مدينة نيويورك، التي تدعم القوة السياسية لنقابات العمال على حساب رجال الأعمال).

عودة إلى الحملة الانتخابية الحالية 2008، فقد بدأ السيناتور ماكين حملته للبيت الأبيض بتمويل خاص، ولكنه صرف كل ما لديه من مال في شهر حزيران الماضي. وحتى يتمكن من الاستمرار فقد سعى إلى أن يصبح مؤهلاً لتلقي تمويل رسمي للمرحلة التمهيدية من الحملة—واستخدم إمكانية حصوله على ذلك التمويل كسند للحصول على قرض.

تلك الحركة مكّنته من الاستمرار. لقد أصبح ماكين الآن المرشح الوحيد للبيت الأبيض بالنيابة عن الحزب الجمهوري. بيد أن ذلك يضعه في موقف صعب عندما يتطلع إلى الانتخابات العامة. فإذا وجد نفسه مقيّداً بنظام التمويل العام، فإنه لا يستطيع أن ينفق سوى أربعة ملايين دولار ما بين الآن وانعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري. هذا مبلغ قليل جداً لمواصلة عرض رسالته على الجمهور. وهذا يشكل كارثة بالنسبة له. ذلك أن باراك أوباما وهيلاري كلينتون قد أثبتا قدرات فائقة على جمع الأموال -وقد ابتعدا جانباً عن التمويل العام للمرحلة التمهيدية من الحملة. فإذا تمكن أي منهما من نيل الترشيح في وقت مبكر، فإنه -هو أو هي- يستطيع مواصلة جمع الأموال وإنفاق الأموال الخاصة على امتداد الربيع والصيف الطويلين.

في غضون ذلك، فإن أوباما يود الهرب من التمويل العام للحملة الانتخابية العامة، وهي المرحلة التي تبدأ بعد مؤتمرات الحزبين. وقد وعد في العام الماضي بقبول التمويل العام إذا فعل مرشح الحزب الجمهوري ذلك - لكنه تعلّم الآن بأنه يستطيع أن يجمع مالاً يفوق إلى حد كبير ما يستطيع ماكين جمعه من القطاع الخاص.

إن الرأي العام الأميركي، يشارك بشكل واضح في هذه النظرة المتهكمة لنظام التمويل العام الذي يسمى تمويلا "نظيفاً". ففي السنوات الأخيرة، فإن 6% فقط من دافعي الضريبة الفيدرالية لم يمانعوا تخصيص 3 دولارات من استحقاقاتهم لتمويل صندوق الحملة الرئاسية. هذا يمثل 94 بالمائة من المصوتين الذين أعربوا عن عدم ثقتهم بنظام التمويل العام مقابل 6 بالمائة فقط.

إن نظام التمويل العام -وفرض قيود مشددة على التمويل الخاص- للمرشحين السياسيين له من يدافعون عنه دفاعاً صادقاً، أناس يعتقدون بأن الديمقراطية تتطلبه، بيد أن الحقائق تتحدث عن نفسها. لقد تم تشريع ذلك النظام من أجل الكسب الحزبي، ولم يكن لأهداف عامة سامية. والآن يحاول اثنان من أقوى مؤيديها التلاعب على النظام - أي التهرّب من التمويل العام والاعتماد على التمويل الخاص- لأن ذلك يصب بوضوح في مصلحتهما الذاتية.

لقد حان الوقت لوضع حد لذلك الادعاء الكاذب بأن نظام التمويل العام يخدم الديمقراطية.

جون سامبلز: مدير مركز الحكومة التمثيلية في معهد كيتو بواشنطن.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة "مصباح الحرية"، www.misbahalhurriyya.org 

التعليق