ماذا بعد السيناريوهات الفاشلة في التعامل مع إيران؟

تم نشره في الأربعاء 12 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

إن الموافقة الأخيرة على فرض عقوبات جديدة ضد إيران تُـعَد المرة الثالثة التي يتحفز فيها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى التحرك من أجل منع جهود تخصيب اليورانيوم في الجمهورية الإسلامية. ولكن مما يدعو للأسف أن العقوبات الجديدة ليس من المرجح أن تكون أكثر تأثيراً وفعالية من الجولتين السابقتين عليها.

ولنستعرض معاً قراري مجلس الأمن السابقين في هذا الشأن. قضى قرار ديسمبر/كانون الأول 2006 بتقييد أية مساعدة دولية لإيران لمنعها من التمكن من العمليات المتصلة بدورة الوقود النووي. أما قرار مارس/آذار 2007 فقد دعا إلى "الحذر والتحفظ" في بيع الأسلحة الثقيلة إلى إيران وتجنب تقديم المنح الجديدة أو المساعدات المالية أو القروض إلى إيران.

ولم ينجح أي من القرارين في التأثير على رجال الدين الحاكمين في إيران. ولا يتوقع الكثير من المراقبين أن تأتي العقوبات الجديدة بنتائج مختلفة. تقضي العقوبات الجديدة باعتراض السلع المهربة إلى إيران وإحكام المراقبة على المؤسسات المالية التابعة للنظام الحاكم، علاوة على تقييد حرية السفر وتجميد الأصول المملوكة لشركات أو أشخاص متورطين في البرنامج الإيراني النووي.

لا ينبغي لنا أن نندهش لفشل العقوبات المفروضة من قِـبَل الأمم المتحدة. كانت الولايات المتحدة تحض على فرض العقوبات منذ أعوام. وأثناء الفترة من العام 2003 إلى العام 2007 أقامت وزارة خزانة الولايات المتحدة 94 دعوى قضائية ضد شركات انتهكت الحظر المفروض على التجارة مع إيران أو الاستثمار فيها. كما فرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوباتها 111 مرة ضد كيانات أجنبية شاركت إيران في عمليات نشر الأسلحة النووية أو كانت ضالعة معها في أنشطة مرتبطة بالإرهاب. كما استخدمت كل من الوزارتين نفوذها في تجميد الأصول المالية أو منع الوصول إلى النظام المالي للولايات المتحدة.

كانت النتائج في غاية الضآلة. فقد استمر تمويل البرنامج النووي الإيراني عن طريق التجارة الدولية. ففي العام 1994 صدَّرت إيران ما قيمته 37 بليون دولار أميركي من السلع؛ وبحلول العام 2007 تضاعف ذلك الرقم تقريباً، فبلغ 70 بليوناً. وخلال نفس الفترة تقريباً تضاعفت أيضاً الواردات الإيرانية، من 22 بليون دولار في العام 1994 إلى 45 بليوناً في العام 2006.

كانت لجنة المساءلة الحكومية التابعة للكونغرس الأميركي قد استنتجت، في إطار تقييمها لعقدين من الزمان من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران بهدف تقييد شهيتها النووية، أن نتائج العقوبات "غير واضحة"، ثم أضافت اللجنة على نحو تعوزه الصراحة والمباشرة: "ان بعض الأدلة، مثل الشركات الأجنبية التي توقع عقوداً للاستثمار في مجال الطاقة الإيرانية، والجهود الإيرانية المستمرة في نشر السلاح النووي، تثير التساؤلات بشأن مدى التأثير الذي خلفته العقوبات".

لم تفشل العقوبات فحسب في منع إيران من إتقان العمليات المرتبطة بدورة الوقود النووي، بل لقد فشلت السبل الأخرى أيضاً. فلم تسفر العروض والإغراءات العديدة التي قدمها الاتحاد الأوروبي عن شيء، كما فشلت محاولات التملق والكلام المعسول من جانب الهيئة الدولية للطاقة الذرية.

مما لا شك فيه أن إيران عرضت في العام 2005 وضع برنامجها تحت إدارة دولية مشتركة. ويزعم بعض المراقبين أن هذا كان من شأنه أن يسمح بوضع فرق مراقبة دولية مقيمة في المواقع الإيرانية. بيد أن المجتمع الإيراني وإيران فشلا في متابعة هذا الأمر حتى النهاية، والآن باتت هذه الفرصة ضئيلة بعد اكتساب المهندسين الإيرانيين للمزيد من الثقة في إنجازاتهم.

ثمة بعض الأمل في أن تنجح الإدارة الأميركية القادمة في وقف الطموحات النووية الإيرانية من خلال الدبلوماسية الثنائية. إلا أن التجارب التي خاضها المفاوضون الأوروبيون تثير الشكوك بشأن هذا الاحتمال، في الوقت الذي ظلت فيه إيران شديدة الوضوح بشأن عدم اعتزامها التخلي عن برنامج دورة الوقود النووي بأي حال من الأحوال.

إذا ما افترضنا أن المخاوف بشأن "تحرر" القدرة النووية الإيرانية في تصاعد، فإن هذا يترك الولايات المتحدة وحلفاءها أمام ثلاثة خيارات، وكل من هذه الخيارات يحمل قدراً من المجازفة. الأول: قد يتسبب الحصار البحري (الذي يذكرنا بأزمة الصواريخ الكوبية) لمنع إيران من تصدير نفطها أو استيراد الوقود المكرر في تعجيز الاقتصاد الإيراني. ولكن يتعين على المؤسسة العسكرية الأميركية أن تكون قادرة على منع إيران من إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره قدر عظيم من الإمدادات العالمية من النفط. فضلاً عن ذلك فإن توقف الصادرات الإيرانية من النفط من شأنه أن يؤثر بشدة على أسواق النفط الدولية، ومن المرجح أن تبذل القيادة الإيرانية قصارى جهدها للاستمرار في تطوير قدراتها النووية، إن لم يكن التعجيل به.

الثاني: رغم أن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران من شأنه أن يؤدي إلى إبطاء البرنامج النووي الإيراني، إلا أن إعادة بناء المنشآت لن تكون بالأمر العسير في غياب المفتشين القادرين على العثور على بقايا تلك المنشآت وتدميرها، ومع استمرار النظام الحاكم القائم، ومع تعذر الاحتلال العسكري. فضلاً عن ذلك فقد تؤدي الصدمة التي ستخلفها هذه الضربة إلى اندلاع موجة من الأعمال الانتقامية من جانب إيران، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، الأمر الذي لابد وأن يؤثر على الاقتصاد العالمي على نحو يفوق التأثير المتوقع نتيجة للحصار البحري.

وهذا يتركنا أمام خيار مزعج. اقتراب إيران من التحول إلى دولة مسلحة نووياً في مواجهة إسرائيل المسلحة نووياً، والتي ستخرج قنابلها من القبو. إذا ما حدث ذلك، فلسوف يظل الأمل باقياً في أن يؤدي الردع النووي المتبادل إلى تعميق الحس بالمسؤولية المشتركة. وفي ظل غياب أي تحسن ملموس على الساحة السياسية المكفهرة في الشرق الأوسط، فإن فشل الردع النووي المتبادل من شأنه أن يجر العالم أجمع إلى أعظم ما تخشاه البشرية في عصرنا النووي: اندلاع حرب نووية.

بينيت رامبيرغ مؤلف ثلاثة كتب تناولت مسألة الأمن الدولي، وكان يعمل لدى إدارة الشؤون السياسية العسكرية التابعة لوزارة خارجية الولايات المتحدة أثناء ولاية جورج بوش الأب.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق